بقلم/ علي أبو راضي 

لم يعد سجن “بدر 3″ شرق القاهرة مجرد مؤسسة عقابية، بل تحوّل إلى رمز للقمع الممنهج الذي يمارسه نظام عبد الفتاح السيسي ضد المعارضين السياسيين وسجناء الرأي. تقرير حقوقي مشترك صدر عن عدة منظمات مصرية ودولية كشف النقاب عن حجم الانتهاكات داخل السجن، واصفًا إياه بـ”مقبرة للأحياء” ومسرحًا لـ”الإعدام البطيء”، في ظل تعتيم متعمد وسياسة ممنهجة لإخفاء الحقائق. 

التقرير أكد أن ما يجري لا يمثل حوادث فردية، بل نهجًا مؤسسياً تتحمل مسؤوليته وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، وسط صمت رسمي وتواطؤ دولي.

إضرابات عن الطعام ومحاولات انتحار تكشف حجم المأساة

بحسب التقرير، تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة محاولات الانتحار بين السجناء نتيجة تدهور الظروف المعيشية وغياب الرعاية الصحية. فقد حاول الطبيب الجراح سيد هيكل الانتحار أكثر من مرة، بينما أقدم المهندس أسعد الشيخة على ابتلاع كميات كبيرة من الأدوية، في محاولة يائسة للهرب من الواقع القاسي. كما تعرض القيادي البارز محمد البلتاجي لانهيار مفاجئ داخل زنزانته وسط غموض حول حالته الصحية، في حين نقل المتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين أحمد عارف إلى العيادة بعد هبوط حاد في مستوى السكر، مؤكداً استمراره في الإضراب عن الطعام حتى يُسمح بزيارة لجنة حقوقية مستقلة.

أما المعتقل خليل العقيد، فقد أقدم على قطع شرايين يده، ما استدعى تدخلاً جراحياً عاجلاً بخياطة 36 غرزة. هذه الوقائع ليست مجرد حوادث منفردة، بل مؤشرات على تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل السجن، ودليل على سياسة “الإعدام البطيء” التي تُمارس ضد المعارضين.

العزلة القسرية والتعذيب النفسي.. سياسة ممنهجة

المنظمات الحقوقية وثقت ما وصفته بـ”سياسة العقاب الجماعي” التي تُمارس في بدر 3. فالسجناء يعيشون في زنازين ضيقة تفتقر للتهوية، وتُضاء بأنوار بيضاء قوية طوال الوقت، مع كاميرات مراقبة لا تنطفئ. يُمنع المعتقلون من التريض أو التهوية الطبيعية، وتُصادر متعلقاتهم الشخصية بشكل متكرر. هذه الممارسات، بحسب التقرير، ليست سوى أدوات للتعذيب النفسي والإرهاق الجسدي، في انتهاك صارخ لقواعد مانديلا النموذجية التي وضعتها الأمم المتحدة لمعاملة السجناء.

إضافة إلى ذلك، فإن الحرمان من العلاج الطبي ومنع الزيارات العائلية يمثلان شكلاً من أشكال التعذيب والمعاملة القاسية التي يحظرها القانون الدولي. السجناء المصابون بأمراض مزمنة لا يتلقون أي رعاية، فيما يُحرم الأهالي من الاطمئنان على ذويهم أو حضور جلسات المحاكمة، ما يعمّق من معاناة الجميع.

تعتيم ممنهج وتواطؤ رسمي

أشار التقرير إلى أن السلطات المصرية أجرت مؤخرًا تغييرات في إدارة السجن بهدف وقف تسرب المعلومات، إلا أن ذلك لم ينعكس إيجابًا على أوضاع المعتقلين. بل بالعكس، زادت درجة العزلة والتعتيم، وأصبحت أخبار السجن لا تصل إلا عبر تسريبات محدودة. هذا التعتيم الإعلامي ليس سوى محاولة لإخفاء الجرائم المرتكبة داخل السجن ومنع المجتمع المحلي والدولي من الاطلاع على الحقائق.

المنظمات الحقوقية أكدت أن هذه السياسات ليست “تجاوزات فردية” من بعض الضباط، بل تعكس نهجًا مؤسسياً تتحمل مسؤوليته وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية، بتوجيه سياسي من النظام الحاكم. فالسيسي نفسه – وفق ناشطين – يستخدم السجون كأداة لقمع المعارضة، في رسالة واضحة بأن أي صوت حر سيكون مصيره العزلة والتعذيب وربما الموت البطيء.

دعوات لتحرك دولي عاجل

المنظمات الموقعة على البيان – ومنها لجنة العدالة، ومركز الشهاب لحقوق الإنسان، ومركز النديم، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، و”إفدي” الدولية، والمنصة المصرية للاجئين – طالبت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومات الداعمة لحقوق الإنسان بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات. 

ودعت إلى تفعيل آليات الأمم المتحدة الخاصة، مثل المقرر الخاص بالتعذيب والفريق العامل المعني بالاعتقال التعسفي، للتحقيق في الانتهاكات ومساءلة السلطات المصرية.

التقرير حذّر بوضوح من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يؤدي إلى “كارثة إنسانية وشيكة”، تتمثل في وفيات جماعية أو موجة انتحارات متكررة بين المعتقلين. وأكد أن التدخل الدولي لم يعد خيارًا، بل واجبًا إنسانيًا ملحًا.

خاتمة: قمع السيسي ونهج العميل

ما يجري في بدر 3 يعكس حقيقة النظام المصري الحالي: قمع بلا حدود، تعتيم ممنهج، وتعامل مع السجناء باعتبارهم أعداء يجب سحقهم، لا مواطنين لهم حقوق. هذه السياسات لا تخدم سوى استمرار حكم الفرد، فيما يُقدّم السيسي نفسه للعالم كـ”حليف في الحرب على الإرهاب” و”ضامن للاستقرار”، بينما يحوّل سجون بلاده إلى مقابر للأحياء.

إن مسؤولية ما يحدث لا تقع على ضباط السجون وحدهم، بل على رأس النظام الذي يتصرف كـ”عميل” للقوى الدولية، يبيع استقلال البلاد مقابل دعم سياسي ومالي. سجن بدر 3 ليس مجرد منشأة عقابية، بل شاهد على جريمة مستمرة بحق الإنسانية، ستظل وصمة عار على جبين النظام، وعلى كل من يصمت عن هذه الانتهاكات.

اقرأ أيضًا : صيدنايا السيسي.. شهادات تكشف أقبية القهر والظلم في مصر