في حادثة أثارت موجة من الاستياء والذهول داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية، قضت محكمة تونسية بالسجن ستة أشهر على موقوف لمجرد رفضه مشاهدة تقرير تلفزيوني عن نشاط للرئيس قيس سعيّد. الحادثة التي وقعت في أحد سجون ولاية قفصة جنوب غرب البلاد، أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول حجم القمع المتصاعد الذي يخيّم على تونس منذ الانقلاب الدستوري الذي نفذه سعيّد في يوليو 2021، وسط تحذيرات من عودة البلاد إلى مربع الديكتاتورية البوليسية.

الواقعة: من زنزانة السجن إلى زنزانة الحكم القضائي

بدأت القصة حين كان الموقوف – الذي لم يُكشف عن اسمه – يشاهد نشرة الأخبار التلفزيونية من زنزانته، وعندما ظهر تقرير عن نشاط رئاسي لقيس سعيّد، عبّر عن رفضه مشاهدة التقرير وطلب تغيير القناة، مرفقًا ذلك بعبارات غاضبة وشتم للرئيس، وفق ما أورده فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في قفصة.

اللافت أن سجينًا آخر – يُفترض أنه مسؤول عن “الغرفة” – بادر بإبلاغ إدارة السجن بما حدث، ليجد الموقوف نفسه سريعًا أمام تحقيق، ثم أمام محكمة أصدرت حكمًا بسجنه 6 أشهر، رغم تبرئته من التهم الأصلية التي أوقف بسببها.

وصرح محاميه، عادل الصغيّر، أن موكله لم يقم سوى بالتعبير عن امتعاضه من الرئيس التونسي، لاعتقاده بأنه كان سببًا في ترحيله من إيطاليا بعد أن كان يقيم هناك بشكل غير قانوني. وأضاف: “طلب فقط تغيير القناة، لأن وجود صورة قيس سعيّد على الشاشة استفزه”. إلا أن ردّ فعل السلطات القضائية كان مبالغًا فيه بشكل لافت، إذ تمّ تكييف التهمة لاحقًا إلى “المسّ بالأخلاق العامة”، لتفادي أي طابع سياسي مباشر للقضية.

قيس سعيّد: من القانون إلى القمع باسم القانون

في السياق الأوسع، تأتي هذه الحادثة لتؤكد ما تحذّر منه منظمات حقوقية محلية ودولية منذ سنوات، وهو أن قيس سعيّد قد أحكم قبضته على مفاصل الدولة، وخاصة الجهاز القضائي، لتحويله إلى أداة لإخراس الأصوات المعارضة، سواء داخل السجن أو خارجه.

تقول منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن تونس “تحوّلت إلى سجن مفتوح”، بينما تشير تقارير متعددة إلى أن الصحفيين والمعارضين والنشطاء الحقوقيين يتعرضون لحملات اعتقال تعسفية وتهديدات مستمرة، تحت مسميات مثل “الإضرار بهيبة الدولة” أو “نشر أخبار كاذبة”.

وفي الوقت الذي كان يُنتظر فيه من قيس سعيّد أن يفتح آفاقًا للديمقراطية بعد ثورة 2011، انقلب الرجل على المسار الديمقراطي بمجرد ما توفرت له الفرصة، إذ جمّد البرلمان وأقال الحكومة، ثم احتكر السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وصاغ دستورًا جديدًا على مقاسه عام 2022.

ديكتاتورية تلفزيونية؟

السؤال الأهم الذي يطرحه المراقبون: كيف وصلت الأمور إلى حد سجن مواطن لأنه لم يشاهد صورة الرئيس على التلفاز؟ في بلدان الاستبداد التقليدية، يُفرض على السجناء ترديد شعارات الزعيم، أما في تونس “الجديدة”، فيبدو أن السجن بات جزاء من لا يتابع أخبار “الرئيس المُلهم”.

إن استخدام “المسّ بالأخلاق العامة” كغطاء قضائي لمحاكمة موقوف سياسيًا، لا يعبّر إلا عن ازدياد الخوف داخل النظام من أي رأي مخالف، حتى وإن صدر في لحظة غضب داخل زنزانة. وكأن المطلوب من الجميع، أحرارًا كانوا أم سجناء، أن يُقسموا الولاء المطلق لقيس سعيّد حتى وهم خلف القضبان.

تونس إلى أين؟

تثير هذه الحادثة جدلًا خطيرًا حول مستقبل الحريات في تونس، وسط صمت رسمي وتجاهل متعمد من وسائل الإعلام القريبة من السلطة. ويبدو أن نظام قيس سعيّد لا يكتفي بإسكات السياسيين والنقابيين والقضاة، بل بات يلاحق كل من تسوّل له نفسه التعبير عن رأي مخالف، حتى داخل أسوار السجن.

ويرى مراقبون أن الحادثة ليست سوى عيّنة صغيرة من منهجية أوسع تُمارس في الخفاء، وتشمل عمليات مراقبة وتضييق ممنهجة على السجناء، وفرض “ثقافة الطاعة”، بحيث يتحوّل السجن إلى مساحة للتطويع الفكري، لا للعقاب القانوني.

خاتمة: حين تصبح صورة الرئيس “مقدّسة” أكثر من الدستور

إذا كانت مشاهدة الرئيس على التلفاز باتت واجبًا إجباريًا، فإن تونس تسير نحو مرحلة خطيرة من العبودية السياسية. وعندما يُحاكم مواطن بتهمة “المسّ بالأخلاق العامة” لأنه عبّر عن رأيه داخل زنزانته، فالمشكلة ليست في القانون، بل في النظام الذي يستخدم القانون كأداة قمع، وليس كضمانة للعدالة.

قيس سعيّد – الذي وعد بالحرية – يدفع بتونس شيئًا فشيئًا نحو نموذج ديكتاتوري فاقع، عنوانه: “لا رأي إلا رأيي، ولا صوت يعلو فوق صوت الرئيس”.

اقرأ أيضًا : الضفة في قبضة النار: اعتقالات عشوائية وهجمات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال