أثار سفير الاحتلال الإسرائيلي في باريس، جوشوا زاركا، عاصفة من الغضب والانتقاد، بعد تصريحاته المستفزة بحق “أسطول الصمود العالمي” المتّجه نحو غزة، حيث قال بلهجة استهزاء: “أتمنى للناشطين الحظ الوفير للبقاء على قيد الحياة”. هذه الكلمات لم تُقرأ فقط كتعبير عن الاستهزاء والسخرية، بل كتهديد مباشر بالقتل في حال واصل الناشطون مهمتهم لكسر الحصار البحري المفروض على القطاع منذ 18 عاما.

تصريحات تنضح بالغطرسة
زاركا، الذي تحدث عبر إذاعة “راديو J” في باريس، حاول التقليل من شأن الأسطول التضامني، واصفا الرحلة بأنها مجرد “عرض إعلامي” يقوده “سياسيون من الدرجة الثالثة يبحثون عن الأضواء”. لكنه تجاوز حدود الدبلوماسية حين لوّح بخطورة الطقس في البحر المتوسط وإمكانية اعتراض السفن من قبل قوات الاحتلال، ليختم بعبارة صادمة: “أتمنى لهم الحظ للبقاء على قيد الحياة”.
هذه التصريحات تكشف عن منطق استعلائي يعكس ذهنية الاحتلال: بدل أن يواجه الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وحصار خانق يرقى إلى جريمة إبادة، يلجأ إلى التهديد العلني لمواطنين أوروبيين ومسالمين يمارسون حقهم في التضامن.
ردود فرنسية غاضبة: “سفير الإبادة”
رد الفعل الفرنسي لم يتأخر. فقد وصف النائب توماس بورتيس، من حزب فرنسا الأبية، السفير الإسرائيلي بـ”سفير الإبادة الجماعية”، داعيا إلى طرده من باريس وإغلاق سفارة ما سماه “الحكومة الإرهابية”. الموقف الفرنسي الغاضب يعكس تصاعد الهوة بين الرأي العام الأوروبي وبين دبلوماسية الاحتلال، خصوصا في ظل مشاركة نواب فرنسيين في الأسطول، ما يجعل التهديد الإسرائيلي موجهاً عملياً إلى ممثلين منتخبين في البرلمان.
هنا تتحول القضية من مجرد حصار على غزة إلى اختبار لسيادة الدول الأوروبية: هل ستسمح باريس بأن يهدد سفير أجنبي مواطنيها علنا من دون عقاب؟
أسطول يتحدى الحصار
انطلق “أسطول الصمود العالمي” من موانئ برشلونة وجنوة، ويلتحق به جزء ثالث من تونس، في رحلة بحرية نحو غزة. يشارك في القافلة نحو 20 سفينة، تنضوي تحت مبادرات مثل اتحاد أسطول الحرية، حركة غزة العالمية، وقافلة الصمود، إضافة إلى منظمات من ماليزيا وأوروبا. هذه المبادرات تهدف إلى كسر الحصار البحري المفروض منذ 2007، وإيصال رسالة إلى العالم بأن غزة ليست وحيدة في مواجهة آلة الحرب.
الأسطول يذكر بمحاولات سابقة كسفينة “مافي مرمرة” عام 2010، والتي تعرضت لهجوم دموي من البحرية الإسرائيلية أدى إلى مقتل عشرة ناشطين أتراك. اليوم، يلوّح السفير الإسرائيلي بتكرار السيناريو ذاته، وكأن الاحتلال لم يتعلم من غضب الرأي العام العالمي آنذاك.
غزة.. مأساة تحت الحصار
بينما ينشغل الاحتلال بتهديد الأسطول، يعيش نحو 2.4 مليون فلسطيني في غزة أوضاعاً كارثية. تشير الأرقام إلى أن 1.5 مليون شخص بلا مأوى بعد أن دمّرت آلة الحرب الإسرائيلية منازلهم، وأن القطاع يواجه مجاعة غير مسبوقة مع استمرار إغلاق المعابر منذ مارس الماضي.
الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 أسفرت عن أكثر من 63 ألف شهيد و160 ألف جريح، معظمهم نساء وأطفال، فيما حصد الجوع أرواح 367 شخصا بينهم 131 طفلا. هذه الأرقام تفضح الطبيعة الإجرامية للحصار وتضع تصريحات زاركا في سياق غطرسة دولة تتفاخر باستخدام الجوع والحصار كسلاح حرب.
غطرسة القوة ومأزق الاحتلال
خطاب السفير الإسرائيلي في باريس ليس مجرد زلة لسان، بل هو انعكاس لسياسة رسمية تتعمد إذلال الفلسطينيين وتهديد من يتضامن معهم. فبينما يروج الاحتلال في المحافل الدولية لرواية “الدفاع عن النفس”، لا يتردد دبلوماسيه في تمني الموت على نشطاء مدنيين.
هذه الغطرسة تكشف مأزق الاحتلال: فهو عاجز عن تبرير الحصار قانونياً أو أخلاقياً، وعاجز عن منع وصول التضامن العالمي إلى غزة، فيلجأ إلى لغة التهديد والوعيد. لكن هذه اللغة تضعه في مواجهة مباشرة مع الرأي العام الأوروبي، ومع حكومات بدأت تضيق ذرعاً بالضغوط الإسرائيلية.
خاتمة: ما بعد التهديد
تصريحات زاركا قد تنقلب على الاحتلال. فهي تقدم للأوروبيين دليلا إضافيا على أن إسرائيل تمارس سياسة إرهاب دولة، حتى خارج حدودها. كما أنها قد تمنح “أسطول الصمود” زخما إعلاميا وشعبيا أكبر، إذ تحولت الرحلة من مجرد مبادرة تضامنية إلى معركة رمزية حول حرية الملاحة، وسيادة الدول، وحق الشعوب في كسر الحصار.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحا: هل سيقف العالم مكتوف الأيدي بينما يهدد سفير الاحتلال ناشطين بالقتل العلني؟ أم أن هذه الغطرسة ستدفع باريس وبقية العواصم الأوروبية إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة، تنقل المعركة من البحر المتوسط إلى قلب الدبلوماسية الدولية؟
اقرأ أيضًا : عجرفة الاحتلال وخيانة عباس: استيطان يلتهم نابلس وقلقيلية