في زمن الثورة والانكسار، وبين أنقاض المدن السورية المدمّرة، اختارت الممثلة السورية سلاف فواخرجي أن تصطفّ مجددًا إلى جانب جلاد شعبها، مدافعةً عن بشار الأسد، ومبرّرة لأبشع فصول التعذيب في سجن صيدنايا، الذي وصفته تقارير دولية بأنه “مسلخ بشري”.

وفي حوار إعلامي على قناة “النهار” المصرية، خرجت فواخرجي لتلمّع صورة النظام المخلوع، وتكرّس سرديته الأمنية على حساب الحقيقة والعدالة، معتبرة أن “البديل كان توجهًا دينيًا”، متجاهلة نهر الدماء الذي خلّفته آلة القمع الأسدية.

تصريحاتها لم تكن الأولى، لكنها هذه المرة جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، إذ تتزامن مع المساعي الجارية لبناء مرحلة انتقالية ما بعد الأسد، بعد فراره إلى روسيا، ومع التوجه الرسمي في سوريا الجديدة نحو “تجريم تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه”.

وبذلك، تضع فواخرجي نفسها، طواعية، في مواجهة ذاكرة السوريين وكرامتهم وثورتهم، تمامًا كما وضعت نفسها في خدمة دعاية نظام لم يتورع عن قصف المدنيين بالبراميل وتصفية المعارضين في الأقبية المظلمة.

تمجيد للمجرم.. وتحريف للواقع

في مقابلتها الأخيرة، أعادت سلاف فواخرجي التأكيد على موقفها المنحاز لنظام الأسد، قائلة إن بشار الأسد “كان صمام أمان لسوريا لمدة 14 سنة”، واصفة منزله بـ”المتواضع”، وشخصه بـ”الإنسان المحترم”.

لم تكتفِ فواخرجي بهذه العبارات التي تُستخدَم عادة في تقارير المخابرات، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، عندما نفت تصديقها للمشاهد المصورة التي خرجت من سجن صيدنايا سيئ السمعة، قائلة: “ما في سوري بيعرف شو في داخل سجن صيدنايا”.

وكأن السجون التي تحوّلت إلى رموز للرعب والقتل المنهجي ليست جزءًا من ذاكرة مئات آلاف العائلات السورية التي لا تزال تجهل مصير أبنائها! لم تتردد فواخرجي في تبرير وجود هذا “المسلخ البشري” بالقول إن مثله موجود في كل دول العالم، مشيرة إلى سجن “أبو غريب” و”غوانتانامو”، وكأن المقارنة ممكنة أو مقبولة بين سجون شهدت جرائم موثقة وسجون تحولت إلى مصانع موت مخفي لآلاف الضحايا من دون محاسبة أو شفافية.

تصريحاتها حول “رخاء سوريا” بين عامي 2000 و2011 تنمّ عن تجاهل متعمد أو إنكار فجّ لحقيقة الأوضاع السياسية والاقتصادية التي عاشها السوريون، إذ كانت تلك الفترة حبلى بالاعتقالات التعسفية، وتضييق الحريات، ونهب الدولة عبر شبكات الفساد المتصلة بعائلة الأسد وأجهزته الأمنية.

الفن حين ينحاز للجلاد.. وغضب شعبي يتصاعد

لم تمر تصريحات فواخرجي مرور الكرام على السوريين والعرب في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ عجّت المنصات بتعليقات غاضبة تندد بما اعتبروه “خيانة وطنية وإنسانية”، داعين إلى محاسبتها وفقًا للإعلان الدستوري السوري الذي ينص صراحة على “تجريم تمجيد النظام البائد وإنكار جرائمه”.

ما يزيد من خطورة موقف فواخرجي، هو محاولتها استغلال صفتها الفنية لتزييف الواقع وتحريف الوعي الجمعي، إذ استمرت في الادعاء بأن الأسد “لم يرتكب المجازر بشكل شخصي”، وكأن المسؤولية السياسية والأخلاقية لرأس النظام يمكن أن تُختزل في مشاعر “الاحترام والتهذيب”، كما وصفته.

الفنانة التي تنحدر من محافظة اللاذقية، وتعد من أبرز الأسماء الداعمة لنظام الأسد منذ انطلاق الثورة، لم تُخفِ عداءها للثورة السورية، بل شكّكت في شرعيتها ووصفت بديلها بأنه “توجه ديني”، في تكرار لسردية النظام الذي شيطن الثورة وروّج لصورة “الإرهاب” كي يحافظ على سلطته.

اللافت أن فواخرجي، في نهاية حديثها، عبّرت عن “تمنّيها” لو أن الأسد قد “استُشهد” بدلًا من فراره إلى روسيا، وهو تصريح يعكس ازدواجية في الخطاب بين التمجيد والتمنّي بالموت، ومحاولة للهروب من واقع انكشاف النظام وسقوطه المدوي.

المحاسبة قادمة.. والذاكرة لا تموت

ما فعلته سلاف فواخرجي ليس رأيًا شخصيًا عابرًا، بل مشاركة فعلية في تزييف الحقيقة، وإنكار لآلام ملايين السوريين، وتلميع لقاتلٍ هارب من العدالة.

قد تكون الكاميرات والحوارات التلفزيونية ساحة مريحة للفنانة المؤيدة للنظام، لكن الذاكرة الجمعية للشعب السوري أقوى من أي دعاية، والمحاسبة قادمة، سواء عبر القضاء الوطني أو المحاكم الدولية.

وحين تُكتب رواية سوريا الجديدة، فلن تنسى أسماء من دعمت القمع وناصرت الاستبداد، تمامًا كما لن تُنسى صرخات المعتقلين في صيدنايا، وصور الضحايا التي حاول البعض إنكارها أو تسخيفها، فالفن، حين ينحاز للجلاد، يفقد جوهره الأخلاقي، ويتحول إلى أداة في يد الطغيان.

اقرأ أيضًا : اتهامات للسفارات السورية بتحريك مظاهرات مشبوهة ضد الدولة وحملة للمطالبة بتغيير السفراء