في خطوة مفاجئة لا تفتقر إلى الطرافة، خرجت السلطة الفلسطينية لتتهم حركة المقاومة حماس بالتخابر مع جهات أجنبية، في محاولة واضحة لخلط الأوراق وتوجيه الأنظار بعيدًا عن أزماتها المتفاقمة.
هذا الاتهام، الذي يحمل طابعًا هزليًا أكثر مما هو سياسي، يطرح تساؤلات عديدة حول المعايير التي تعتمدها السلطة في تعريف “التخابر”، وكيف يمكن لها، وهي المتورطة حتى النخاع في التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، أن تخرج بوجهها المكشوف لتتحدث عن “خطر التخابر على الأمن القومي الفلسطيني”!
لطالما كان مفهوم “التخابر” سلاحًا بيد الأنظمة القمعية لتصفية خصومها، ولكن في حالة السلطة الفلسطينية، يصبح الأمر أكثر سخرية عندما يكون المتهم هو حركة حماس، التي تتصدر المشهد في مقاومة الاحتلال، بينما المتهم المفترض هو نفسه الذي يجتمع ليلًا ونهارًا مع ضباط الاحتلال في غرف مغلقة تحت شعار “التنسيق الأمني”!
![]()
حنيني يضع السلطة أمام المرآة القبيحة
في رد لاذع، فضح القيادي في حركة حماس عبد الحكيم حنيني هذا التناقض السافر، مشددًا على أن السلطة الفلسطينية هي التي يتوجب عليها أولًا أن توقف تنسيقها الأمني العلني مع الاحتلال الإسرائيلي قبل أن تتجرأ على اتهام غيرها بالتخابر.
وأضاف أن الحديث عن أن حماس تتخابر مع “جهة أجنبية” أمر غير مقبول وغير منطقي، خصوصًا عندما يصدر عن سلطة يعرف القاصي والداني أنها تسلم معلومات المقاومين للاحتلال الإسرائيلي على طبق من ذهب!
التصريح الذي أطلقه حنيني لم يكن مجرد رد تقليدي، بل جاء ليضع السلطة أمام واقعها المرير، إذ باتت مكشوفة أمام الشعب الفلسطيني ككيان لا هم له سوى خدمة أجندة الاحتلال عبر قمع المقاومة وتأمين الهدوء الذي يحتاجه الاحتلال لإطالة أمد احتلاله.
فهل باتت السلطة الفلسطينية ترى في المقاومة الفلسطينية جهة “أجنبية”، أم أن التعريفات السياسية لديها أصبحت تخضع لمقياس الرضا الإسرائيلي فقط؟
من يتخابر مع من؟ السلطة في ورطة التبرير!
لعل أكبر مشكلة تواجه السلطة الفلسطينية في هذه الأزمة المفتعلة هي أنها لا تستطيع تبرير ازدواجية معاييرها الواضحة.
فبينما ترفع شعار “الحفاظ على السيادة الفلسطينية”، تجدها في ذات الوقت تتباهى بتنسيقها الأمني مع الاحتلال، بل وتصفه في مناسبات عدة بأنه “مصلحة وطنية”!
كيف يمكن أن تكون مصلحة وطنية عندما تجتمع قيادات الأجهزة الأمنية الفلسطينية مع ضباط الاحتلال لمناقشة تحركات المقاومة، بينما يصبح “تخابرًا” عندما يتعلق الأمر بحماس عند التفاوض وهي بموضع قوة.
السلطة تدرك جيدًا أن هذه الاتهامات لن تنطلي على أحد، فهي تواجه أزمة شرعية حقيقية، خاصة بعد أن فقدت أي حاضنة شعبية تؤمن بمشروعها السياسي القائم على التفاوض العبثي، بينما استطاعت المقاومة أن تكرس نفسها كصوت الفلسطينيين الحقيقي.
لهذا، فإن مثل هذه الاتهامات السخيفة لا تعدو كونها محاولة يائسة لصناعة “قصة” تشغل بها الرأي العام، لكن الحقيقة تبقى أقوى من الدعاية الإعلامية.
التنسيق الأمني.. التخابر الرسمي برعاية فلسطينية!
إذا كان الحديث عن “التخابر” هو عنوان المرحلة، فالأجدر بالسلطة الفلسطينية أن تنظر إلى سجلها الخاص قبل أن توجه أصابع الاتهام إلى غيرها.
فالتنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال ليس مجرد سياسة عرضية أو خطوة تكتيكية، بل هو ركيزة أساسية في العلاقة بين الطرفين، وهو ما جعل محمود عباس يصفه سابقًا بأنه “مقدس”! فهل هناك تخابر أوضح من تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية لضمان استمرار القبضة الحديدية على الضفة الغربية؟
ما يثير السخرية أكثر هو أن ذات المسؤولين الذين يقودون التنسيق الأمني، والذين تملأ أسماؤهم محاضر الاجتماعات الأمنية مع الاحتلال، هم الذين يقفون اليوم ليتحدثوا عن “التخابر مع جهات أجنبية”، متناسين أن الشعب الفلسطيني يدرك تمامًا من يتعاون مع من، ومن الذي يقبض ثمن خدماته أمنيًا واقتصاديًا من الاحتلال والداعمين الغربيين.
ازدواجية المعايير.. هل يظن قادة السلطة أن الفلسطينيين بلا ذاكرة؟
ربما تراهن السلطة الفلسطينية على ضعف الذاكرة الجمعية، أو تعتقد أن بمقدورها تمرير هذه الاتهامات دون أن يلاحظ أحد التناقض الفاضح فيها.
ولكن الحقيقة أن الشارع الفلسطيني ليس بحاجة إلى محللين سياسيين ليكتشف اللعبة، فهو يرى بأم عينه كيف تتحول السلطة إلى أداة لقمع المقاومة، وكيف أن أجهزتها الأمنية تعمل كذراع غير رسمي للاحتلال.
في النهاية، يبقى السؤال الكبير: إذا كانت السلطة الفلسطينية تعتبر الحديث مع جهة أجنبية جريمة تستحق الاتهام بالتخابر، فهل تعتبر لقاءاتها اليومية مع ضباط الاحتلال الإسرائيلي مجرد دردشة بين “أصدقاء قدامى”؟!.
اقرأ أيضًا :بيتار الولايات المتحدة.. إرهاب منظم يستهدف الطلاب المؤيدين لفلسطين في أمريكا