في خطوة تعكس أقصى درجات التحدي للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش موافقته على المضي في تنفيذ خطة الاستيطان الجديدة المعروفة بمشروع E1، مؤكداً صراحة أن هذه الخطة “ستدفن فكرة الدولة الفلسطينية”. 

الإعلان، الذي جاء عبر موقع “واينت” العبري، تزامن مع دعوة سموتريتش لعقد مؤتمر صحفي يوم الخميس المقبل بمشاركة رئيس مجلس “يشع” الاستيطاني يسرائيل غانز ورئيس بلدية معاليه أدوميم غاي يفرخ، لعرض تفاصيل المشروع الذي يتضمن بناء 3,401 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، وتحديداً في منطقة معاليه أدوميم.

هذه الخطوة تمثل إعلاناً مباشراً عن نية الحكومة الإسرائيلية إنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، في ظل غياب ردع عربي ودولي حقيقي، وتواطؤ غير مباشر من بعض الأطراف.

المشروع.. فصل جغرافي لخنق الحلم الفلسطيني

خطة E1 ليست مشروعاً عمرانياً عادياً، بل مخططاً استيطانياً استراتيجياً صُمم لقطع أوصال الضفة الغربية إلى شطرين شمالي وجنوبي، ما يعني عملياً إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية متماسكة. منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية وصفت الخطة سابقاً بأنها “ضربة قاضية لحل الدولتين”، إذ تمنع تطوير الممرات الحضرية بين رام الله والقدس الشرقية وبيت لحم، وتحوّل التجمعات الفلسطينية إلى جيوب معزولة ومحاصرة.

من منظور فلسطيني ودولي، تعتبر منطقة E1 حساسة للغاية، لأنها تشكل الحلقة الجغرافية التي تربط القدس الشرقية بالضفة الغربية. السيطرة الإسرائيلية الكاملة عليها تعني إغلاق الباب أمام أي مفاوضات جدية حول القدس كعاصمة مستقبلية للدولة الفلسطينية. سموتريتش نفسه أقرّ بذلك علناً، حين قال إن “بدونها فإن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية أمر مستحيل ببساطة”.

من التجميد إلى التنفيذ.. كسر قيود الضغوط الدولية

على مدار عقود، ظل مشروع E1 مجمداً بفعل ضغوط أمريكية وأوروبية، حيث اعتُبر تنفيذه خطاً أحمر سياسياً. لكن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تعد الأكثر تطرفاً في تاريخ الاحتلال، قررت المضي قدماً متحدية تلك الضغوط.

سموتريتش أكد أن الخطة جزء من “الخطة السيادية الفعلية” التي بدأ تنفيذها منذ تشكيل الحكومة الحالية، مضيفاً أن الموافقة على البناء في E1 تأتي “بعد عقود من الضغط الدولي وتجميد المشاريع”.

الرسالة هنا واضحة: إسرائيل لم تعد ترى نفسها ملزمة حتى بمراعاة الشكل أمام المجتمع الدولي، بل باتت تعتبر أن لحظة فرض الأمر الواقع قد حانت.

ترحيب استيطاني.. وصمت عربي

الخطوة قوبلت باحتفاء في أوساط قادة المستوطنين، حيث وصف يسرائيل غانز، رئيس مجلس بنيامين الإقليمي، المشروع بأنه “إنجاز تاريخي للحركة الاستيطانية” يمهّد لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية في نهاية المطاف. أما عمدة معاليه أدوميم غاي يفرخ، فاعتبر الخطة تتويجاً لسنوات من العمل السياسي، مؤكداً دعمه المطلق للمشروع.

في المقابل، غابت أي ردود فعل رسمية جادة من العواصم العربية المؤثرة، وهو الصمت الذي يراه محللون تشجيعاً غير مباشر للاحتلال على المضي قدماً، بل ويكشف حالة من التواطؤ أو الانشغال بأزمات داخلية وإقليمية أخرى، ما يترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة هذا الزحف الاستيطاني.

الأبعاد السياسية.. ما بعد حل الدولتين

إعلان سموتريتش عن أن المشروع “المسمار الأخير في تابوت الدولة الفلسطينية” ليس مجرد تصريح سياسي، بل هو إعلان عن انتقال إسرائيل من مرحلة التلاعب بالمفاوضات إلى مرحلة تصفية القضية نهائياً على الأرض.

بمجرد تنفيذ الخطة، لن يكون هناك أي ممر جغرافي متصل بين شمال الضفة وجنوبها، ما يحول الدولة الفلسطينية إلى كانتونات منفصلة، ويدفن عملياً أي أمل في العودة إلى طاولة مفاوضات جدية حول حل الدولتين. الأخطر أن هذه الخطوة قد تدفع بعض الدول الغربية إلى إعادة صياغة مواقفها، والتعامل مع الضم الزاحف كأمر واقع، خاصة في ظل انشغال العالم بأزمات أوكرانيا وبحر الصين الجنوبي.

المجتمع الدولي.. بيانات إدانة بلا فعل

التجربة الفلسطينية مع المجتمع الدولي تؤكد أن أقصى ما يمكن توقعه هو بيانات إدانة وشجب لا تتجاوز الأوراق الرسمية، دون أي إجراءات عقابية أو ضغوط حقيقية توقف المشروع. الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سبق وأن أعربا عن “القلق العميق” من المشروع في مراحل سابقة، لكن إسرائيل أدركت أن هذا القلق لن يترجم إلى عقوبات أو قطع مساعدات، ما شجعها على تحويل E1 من ورقة تفاوضية إلى واقع استيطاني ملموس.

خاتمة – غطرسة احتلال وتخاذل عربي

إعلان سموتريتش يمثل نقطة تحول خطيرة في مسار الصراع، إذ يعكس غطرسة الاحتلال في فرض خططه، ويكشف في الوقت ذاته حجم التخاذل العربي والعجز الدولي. المشروع لا يدفن فقط فكرة الدولة الفلسطينية، بل يعلن عن مرحلة جديدة عنوانها ضم الضفة الغربية فعلياً، وإخراج أي حل سياسي من المعادلة.

في ظل غياب استراتيجية فلسطينية موحدة، واستمرار الانقسام الداخلي، وغياب ضغط عربي جاد، فإن E1 قد يصبح قريباً واقعاً جغرافياً لا يمكن التراجع عنه، ليبقى الفلسطينيون أمام معركة أصعب بكثير: النضال من أجل البقاء في جزر معزولة وسط بحر من المستوطنات.

اقرأ أيضًا : بن غفير يطالب بهدم قبر عز الدين القسام: إرث المقاومة يطارد الاحتلال حتى بعد الموت