في خطوة جديدة تكشف الطبيعة العدوانية والتمددية لحكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، أعلن وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش – أحد أبرز رموز المشروع الاستيطاني وأكثرهم تطرفًا – أن تل أبيب منحت الموافقة النهائية لبناء 764 وحدة استيطانية في ثلاث مستوطنات بالضفة الغربية المحتلة، في إجراء يُعدّ حلقة إضافية في مسار “الضم الزاحف” الذي يقوده سموتريتش منذ وصوله إلى الحكومة نهاية عام 2022.

وتشمل الوحدات الجديدة مستوطنات حشمونائيم وجفعات زئيف وبيتار عيليت، وجميعها تقع في محيط القدس المحتلة، ما يجعلها جزءًا من خطة أوسع لإحكام الطوق الاستيطاني حول المدينة وفصلها عن محيطها الفلسطيني. ويأتي هذا التوسع في وقت تتسارع فيه محاولات الاحتلال لفرض وقائع نهائية على الأرض تستبق أي تسوية سياسية، وتحوّل الضفة إلى خارطة مقطّعة الأوصال محاصرة بالمستوطنات والجدران والطرق الالتفافية.

“نحن مستمرون في الثورة”.. هكذا يصف سموتريتش مشروعه الاستيطاني

سموتريتش، الذي يقدّم نفسه علنًا على أنه مهندس “ثورة الاستيطان”، قال في بيانه إن الخطوة الجديدة تأتي ضمن “استراتيجية واضحة لتعزيز المستوطنات وضمان استمرارية الحياة والأمن والنمو”. ويؤكد الرجل – المعروف بخطابه العنصري ودعوته الصريحة لضم الضفة الغربية – أنه منذ توليه منصبه وافق مجلس التخطيط الأعلى على أكثر من 51 ألف وحدة استيطانية، في رقم غير مسبوق منذ عقود.

ما يفعله سموتريتش ليس مجرد إدارة وزارة مالية، بل قيادة مشروع أيديولوجي يهدف إلى تثبيت الاحتلال، تكريس وجود المستوطنات، ومنع أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقبلًا. وهو لا يخفي ذلك، بل يعلن أن هدفه هو “تغيير قواعد اللعبة” في الضفة الغربية، وتطبيق نظام قانوني يفتح الطريق أمام الضم الكامل أو شبه الكامل.

قانون يسمح للإسرائيليين بشراء العقارات في الضفة: خطوة أخرى نحو الضم

وبالتزامن مع التوسع الاستيطاني، مررت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست مشروع قانون جديد قدّمته مجموعة من نواب اليمين المتطرف، بينهم يولي أدلشتاين وموشيه سولون، يسمح للإسرائيليين بالتملك الحر في الضفة الغربية المحتلة.

هذا القانون – الذي صوّت له أربعة أعضاء دون معارضة – يهدف إلى إلغاء ما يسمّيه اليمين “التمييز” في شراء العقارات، لكنه عمليًا يُعدّ بوابة قانونية لتوسيع الاستيطان الخاص، وتعزيز وجود المستوطنين بشكل مباشر في أراضٍ فلسطينية خارج المستوطنات الرسمية.

مرور المشروع في اللجنة يعني أن الاحتلال يتجه نحو تطبيع الاستيطان من خلال تحويله إلى نشاط عقاري تجاري عادي يخضع لقوانين السوق، لا إلى سياسة احتلالية مخالفة للقانون الدولي. وهو أمر يعزز ملاحظة المراقبين بأن إسرائيل باتت تتصرف “كدولة ضم” لا “كدولة احتلال مؤقت”.

استيطان موازٍ لحرب إبادة: سياسة الأرض المحروقة في الضفة

منذ بدء حرب الإبادة على غزة قبل عامين، كثّف الاحتلال جرائمه في الضفة الغربية بهدف استغلال انشغال العالم بالمجازر في غزة لتسريع خططه الاستيطانية. وخلال هذه الفترة، شهدت الضفة:

  • تهجير عشرات التجمعات البدوية.

  • توسع المستوطنات والبؤر العشوائية بمعدل غير مسبوق.

  • تصعيد العنف الاستيطاني المنظّم ضد الفلسطينيين.

ومع كل ذلك، يتصرّف سموتريتش ووزراء اليمين كأنهم في سباق مع الزمن لفرض وقائع نهائية على الأرض قبل أي ضغط دولي أو تغيير سياسي محتمل.

ضرب حل الدولتين في مقتل

لا يترك الاحتلال، اليوم، أي مجال للحديث عن “حل الدولتين” الذي تستند إليه قرارات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. فضمّ الضفة – سواء كان قانونيًا أو فعليًا – يعني ببساطة انتهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

التوسع الاستيطاني في محيط القدس تحديدًا يحمل دلالة خطيرة، فالمستوطنات الثلاث التي ستُبنى فيها الوحدات الجديدة تشكّل جزءًا مهمًا من الحزام الاستيطاني الذي يعمل على:

  1. فصل شمال الضفة عن جنوبها.

  2. عزل القدس عن محيطها الفلسطيني.

  3. إحكام السيطرة الإسرائيلية على المنطقة “ج” التي تشكل 60% من مساحة الضفة.

ومع استمرار بناء عشرات آلاف الوحدات، تصبح خريطة الضفة أشبه بجزر معزولة يعيش فيها الفلسطينيون بلا سيادة ولا موارد ولا إمكانية تطوير.

خلاصة: خطوة جديدة في مشروع أوسع لقتل أي أفق سياسي

الموافقة النهائية على بناء 764 وحدة استيطانية ليست حدثًا منفصلًا، بل جزء من سلسلة متصلة يقودها سموتريتش منذ عامين، هدفها:

  • توسيع الاستيطان إلى أقصى حدّ.

  • تهيئة الأرضية القانونية لضم الضفة.

  • تحويل الاحتلال إلى واقع دائم لا رجعة فيه.

هذا المسار، الذي يتغذى على التطرف السياسي وعلى دعم أمريكي ضمني، يدفع المنطقة نحو مزيد من الانفجار، ويعيد الصراع إلى مرحلة ما قبل أي محاولة تسوية. فمع كل وحدة استيطانية جديدة، يتقلّص الأمل في السلام، وتتعمق جذور الصراع على الأرض والهوية والحقوق.

اقرأ أيضًا : ميريلاند تدق الجرس: بداية محاسبة أكاديمية أمريكية لدور الإمارات في جرائم الحرب