في سابقة هي الأولى من نوعها داخل الجامعات الأمريكية، صوّتت الجمعية الطلابية في جامعة ميريلاند – إحدى أكبر مؤسسات التعليم العام في الولايات المتحدة – على قرار تاريخي يدعو الجامعة إلى قطع العلاقات الأكاديمية كافة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تتجاوز مجرد موقف طلابي لتشكل منعطفاً في مسار الوعي الأمريكي تجاه السياسات الخارجية لأبوظبي.
هذا القرار، الذي يطالب بإنهاء برنامج إدارة الأعمال والابتكار في أبوظبي، وهو آخر برنامج أمريكي قائم داخل الإمارات، لم يأتِ بمعزل عن السياق؛ بل جاء نتيجة تراكم سنوات من التقارير الأممية والإعلامية والحقوقية التي تكشف دور الإمارات في تمويل وتسليح ميليشيا الدعم السريع في السودان، المتورطة في جرائم إبادة جماعية وعمليات تطهير عرقي موثّقة في دارفور والجنينة والفاشر. الطلاب الأمريكيون لم يعودوا مستعدين لغضّ الطرف عن سجل دموي كهذا، خصوصاً بعد أن تزايدت الأدلة على أن الحرب السودانية لم تكن مجرد صراع داخلي، بل شبكة تدخلات خارجية تقود فيها أبوظبي الدور الأخطر.
ها هي أول جامعة أمريكية تفتح الباب الذي ظلّ مغلقاً طويلاً: باب محاسبة #الإمارات على جرائمها.
جامعة ميريلاند، إحدى أكبر الجامعات الحكومية في الولايات المتحدة، أقرت عبر جمعيتها الطلابية قراراً تاريخياً يدعو إلى قطع العلاقات الأكاديمية مع الإمارات، تماماً كما فعلت جامعات أخرى مع… pic.twitter.com/g7x4HtHRmt
— نظام المهداوي – Nezam Mahdawi (@NezamMahdawi) December 9, 2025
باب المحاسبة يُفتح لأول مرة
ما حدث في جامعة ميريلاند يشبه الضغط الأكاديمي الذي واجهته الجامعات الأمريكية بسبب تعاونها مع الكيان الإسرائيلي. الطلاب رأوا تشابهاً واضحاً بين الطرفين:
– احتلال واستيطان وجرائم حرب في الحالة الإسرائيلية،
– دعم لمليشيات تمارس الإبادة الجماعية والتهجير القسري في الحالة الإماراتية.
ومن هنا جاءت المقارنة المركزية في قرارهم: “لا شراكة أكاديمية مع دولة تتحول تدريجياً إلى نسخة أخرى من الكيان المحتل.”
التحركات الطلابية داخل الجامعات الأمريكية أصبحت قوة سياسية حقيقية، كما ظهر خلال الانتفاضة الطلابية المؤيدة لفلسطين. واليوم، يعاد إنتاج هذا الوعي تجاه الإمارات، التي حاولت على مدار سنوات شراء النفوذ الأكاديمي عبر التمويل والدعم المؤسسي، إلا أن موجة الوعي الجديدة تقوّض قدرة المال على تلميع الصورة.
جرائم الإمارات في السودان: الفضيحة التي لم يعد يمكن إخفاؤها
لم تكن دارفور الفاصلة الأولى، لكنّها كانت الحدّ الذي أسقط الأقنعة. تقارير الأمم المتحدة، ومواد التحقيقات الصحفية، وشهادات الهاربين من جحيم الحرب، كلها تؤكد أن ميليشيا الدعم السريع حصلت على تمويل إماراتي مكثف شمل تحويلات مالية، شحنات أسلحة، مسيّرات هجومية، ودعم لوجستي عبر قواعد داخل تشاد وليبيا.
الميليشيا التي ارتكبت مذابح بحق المدنيين، وحرّضت على التطهير العرقي، ودمّرت مدناً كاملة، تحولت – وفق تقارير استخباراتية أمريكية – إلى وكيل عسكري إماراتي يسعى لتفكيك السودان والتحكم بثرواته، من الذهب إلى الموانئ.
الطلاب في ميريلاند استشهدوا في مذكرتهم بهذه الجرائم مباشرة، معتبرين أن التعاون الأكاديمي مع الإمارات يلطّخ سمعة الجامعة، ويجعل المؤسسة التعليمية شريكاً غير مباشر في سياسة تتعارض مع أهم المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها الجامعات الأمريكية.
الإمارات والاحتلال الإسرائيلي… شراكة تتجاوز التطبيع
من العوامل التي عزّزت غضب الطلاب أيضاً ارتباط الإمارات الوثيق بالاحتلال الإسرائيلي. فبعد اتفاقيات أبراهام، أصبحت أبوظبي لاعباً محورياً في دعم منظومات التجسس الإسرائيلية، وشاركت في مشاريع أمنية مشتركة، وسعت إلى فتح أبواب المنطقة أمام إسرائيل، ليس دبلوماسياً فقط، بل اقتصادياً وعسكرياً.
الطلاب الذين يقودون حملات مقاطعة إسرائيل داخل الجامعات رأوا أن الإمارات امتداد مباشر للمنظومة نفسها:
– دعم للاحتلال،
– تبييض لجرائم الحرب،
– استخدام للمال لتغيير الرواية،
– وتعاون أمني متصاعد.
ومن هنا بدأ الربط بين القضيتين: من يقف مع فلسطين لا يمكنه تجاهل دور الإمارات في تثبيت الاحتلال وفي تغذية الحروب بالمنطقة، وعلى رأسها السودان.
خطوة ميريلاند… بداية موجة أمريكية؟
سؤال يتردد الآن داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية في الولايات المتحدة:
هل تصبح جامعة ميريلاند الشرارة التي تفتح الباب أمام مؤسسات أخرى لإنهاء تعاونها مع الإمارات؟
فالجامعات الأمريكية تمتلك شبكات ضخمة من البرامج التعليمية والاستثمارية في الخليج، كثير منها ممول إماراتياً. وإذا نجحت ميريلاند في تمرير القرار بشكل فعلي – أي بتنفيذ إدارة الجامعة له – فقد يتكرر السيناريو نفسه في جامعات أخرى مثل ميشيغان، هارفارد، نيويورك، وكاليفورنيا، التي تواجه انتقادات متزايدة بشأن التمويل الخليجي، وخاصة الإماراتي.
ويخشى صناع القرار في أبوظبي من أن تتحول هذه الخطوة إلى عزل أكاديمي دولي يشبه ما تعرض له الكيان الإسرائيلي عند صعود حركة المقاطعة (BDS).
صفارة إنذار داخل المؤسسات الأمريكية
الرسالة التي يرسلها الطلاب واضحة:
لا يمكن للجامعات أن تبقى بعيدة عن السياسة عندما يتعلق الأمر بجرائم حرب وصراعات دموية.
ولا يمكن للأموال الإماراتية أن تكون مظلة أخلاقية لجرائم موثّقة.
اللافت أن هذا التحرك يأتي في وقت تخضع فيه الإمارات لتدقيق غير مسبوق داخل الكونغرس الأمريكي، حيث طُرحت مشاريع قوانين تطالب بالتحقيق في تمويل الدعم السريع وفي دور أبوظبي في زعزعة استقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
موجة الوعي التي لا يمكن إيقافها
الطلاب قالوها بوضوح: “هذه ليست مجرد خطوة طلابية، بل بداية مرحلة جديدة.”
مرحلة تدرك فيها المجتمعات الأكاديمية الأمريكية أن الإمارات – مثل إسرائيل – تستخدم الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية الناعمة لإخفاء سجلها في الإبادة الجماعية بالسودان وفي دعم الاحتلال الإسرائيلي.
ومع أول بوادر المقاطعة، يبدو أن أبوظبي تتجه نحو ما حاولت طويلاً تجنبه: النبذ الشعبي والأكاديمي الدولي.
والأيام المقبلة، كما يقول الطلاب، ستشهد ما هو أكبر…
فموجة الوعي حين تبدأ، لا يوقفها مال ولا لوبيات.
اقرأ أيضًا : الإمارات في دائرة الاتهام مجددًا: حكم دولي بسجن زعيم الجنجويد ينعش ملف دعم أبوظبي للميليشيات في دارفور