في الوقت الذي يئن فيه سكان قطاع غزة تحت وطأة الحصار والتجويع، أضاف الاحتلال الإسرائيلي سلاحًا جديدًا إلى ترسانته ضد المدنيين: سياسة التعطيش.
فبحسب منظمة “أطباء بلا حدود”، خرجت أكثر من 60 محطة لتحلية المياه عن الخدمة جراء القصف الإسرائيلي المباشر أو نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، لتتحول أزمة المياه إلى كارثة إنسانية تضاف إلى المجاعة القائمة.
![]()
تدمير ممنهج للبنية التحتية المائية
منذ بداية الحرب، اتبع الاحتلال سياسة مركبة تستهدف أساسيات الحياة. فالهجمات لم تطل البيوت والمستشفيات فقط، بل ركزت أيضًا على الشبكات الحيوية: أنابيب المياه ومحطات التحلية. المنظمة الدولية أكدت أن إسرائيل منعت إدخال المواد اللازمة لإصلاح الأنابيب والمحطات، بحيث لم تسمح إلا بموافقة واحدة من أصل عشرة طلبات منذ يونيو/حزيران 2024. هذه العرقلة المتعمدة جعلت وصول المياه النظيفة إلى السكان أمرًا شبه مستحيل.
ويشير خبراء المياه إلى أن أكثر من 70% من المياه التي تمر عبر الأنابيب الثلاثة الرئيسة الواصلة لغزة تضيع بسبب التسريبات، بعدما تعرض اثنان منها لأضرار جسيمة بفعل القصف. ومع قطع الاحتلال في مارس/آذار 2025 لآخر خط كهرباء يغذي محطة تحلية مركزية جنوب دير البلح، دخلت الأزمة مرحلة أخطر، حيث توقفت كميات كبيرة من مياه الشرب عن التدفق.
من التجويع إلى التعطيش.. سياسة إبادة بطيئة
إذا كان منع الغذاء قد أدى إلى تفشي المجاعة، فإن منع المياه يرقى إلى إبادة بطيئة ومركبة. الماء ليس مجرد حاجة أساسية، بل هو عنصر لا يمكن الاستغناء عنه لبقاء الإنسان على قيد الحياة. وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الفرد يحتاج إلى 50-100 لتر من المياه يوميًا لتغطية احتياجاته الأساسية، بينما سكان غزة يحصلون اليوم على أقل من 3-5 لترات في أفضل الأحوال، معظمها غير صالحة للشرب.
هذا النقص الحاد انعكس مباشرة على الصحة العامة. “أطباء بلا حدود” ذكرت أنها أجرت أكثر من ألف استشارة أسبوعية لمرضى يعانون من الإسهال المائي الحاد خلال الشهر الماضي فقط، فيما تفشت الأمراض الجلدية مثل الجرب نتيجة غياب المياه اللازمة للنظافة. إنها بيئة خصبة لانتشار الأوبئة في مجتمع محاصر، ما يجعل الأزمة الصحية تهدد مئات الآلاف بخطر الانهيار.
التهجير القسري وحصار المياه
من أخطر ما أشار إليه تقرير “أطباء بلا حدود” هو أن 86% من سكان القطاع يعيشون في مناطق خاضعة لأوامر التهجير الإسرائيلي. هذا يعني أن شاحنات المياه لا تستطيع الوصول إلى الغالبية العظمى من السكان، وأن أي محاولة لإصلاح الشبكات أو توزيع المياه تصطدم بالقصف وأوامر الإخلاء. هكذا يصبح الماء، مثل الغذاء، أداة ابتزاز جماعي لإرغام الفلسطينيين على مغادرة أرضهم.
وعلى امتداد عام 2025، اضطرت المنظمة إلى إغلاق 137 نقطة توزيع مياه بسبب اتساع رقعة القصف أو أوامر الإخلاء. وفي الوقت ذاته، كشفت هيئة البث العبرية أن الحكومة الإسرائيلية تدرس تقليص المياه المخصصة لشمال غزة ضمن خطة تهجير جماعي، ما يثبت أن التعطيش قرار سياسي وعسكري ممنهج، وليس مجرد نتيجة عرضية للحرب.
مياه ملوثة ومأساة يومية
حتى المياه القليلة المتاحة لسكان غزة ليست صالحة للاستخدام الآدمي. فالمياه الجوفية باتت شديدة الملوحة وملوثة بالصرف الصحي والمواد الكيميائية. وهكذا يضطر السكان للاعتماد إما على محطات التحلية (أغلبها مدمر) أو على خطوط أنابيب من إسرائيل (غالبًا ما تُقطع). أي أن حياة أكثر من مليوني إنسان رهينة لقرارات عسكرية وسياسية تصدر من تل أبيب.
وفي ظل هذه الظروف، أصبحت معاناة السكان مضاعفة: صفوف طويلة للحصول على غالون ماء واحد، وارتفاع أسعار المياه في السوق السوداء، وانتشار حالات الجفاف لدى الأطفال وكبار السن. شهادات من غزة تؤكد أن الأسر باتت تلجأ لتخزين أي كمية من مياه الأمطار أو حتى المياه غير الصالحة للشرب، في محاولة يائسة للبقاء.
جريمة حرب وفق القانون الدولي
بحسب القانون الدولي الإنساني، يعتبر حرمان السكان من المياه والغذاء جريمة حرب، بل وجريمة إبادة إذا كان الحرمان ممنهجًا ويهدف إلى تدمير مجموعة بشرية بالكامل. ما يجري في غزة اليوم لا يترك مجالًا للشك: إسرائيل توظف المياه كسلاح استراتيجي، ضمن حرب إبادة جماعية تستهدف وجود الفلسطينيين على أرضهم.
الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان لطالما حذرت من أن قطع المياه والكهرباء يشكل عقابًا جماعيًا محظورًا وفق اتفاقيات جنيف. ومع ذلك، تستمر إسرائيل في ممارساتها بلا رادع، وسط تواطؤ دولي وصمت يرقى إلى التواطؤ.
خاتمة: الموت عطشًا وجوعًا تحت الحصار
لقد تجاوزت سياسة الاحتلال في غزة حدود الحصار التقليدي إلى مرحلة هندسة الموت: التجويع بالقصف والحرمان من الغذاء، والتعطيش بمنع المياه وتدمير محطات التحلية. إنها سياسة “الإبادة البطيئة”، حيث يُترك السكان بين خيارين: الرحيل عن أرضهم أو الموت عطشًا وجوعًا.
اليوم، لا يبدو أن أزمة المياه مجرد جانب إنساني منسي، بل هي جزء أساسي من مخطط ممنهج لتفريغ غزة من سكانها. ومع كل يوم يمر دون تدخل دولي جاد، يقترب سكان القطاع أكثر من حافة الكارثة الشاملة، حيث يصبح الماء – مثل الخبز – سلاحًا في يد الاحتلال لإبادة شعب بأكمله.
اقرأ أيضًا : الفصائل الفلسطينية: سلاحنا باقٍ ما دام الاحتلال.. جدل في لبنان بعد بدء تسليم أسلحة ببرج البراجنة