في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، بدأت الصحافة ومراكز الأبحاث الغربية تسلط الضوء بشكل غير مسبوق على ما تصفه بـ “الشرخ الصامت” داخل العائلة الحاكمة في دولة الإمارات العربية المتحدة. فبعد سنوات من الترويج لصورة الاتحاد المتماسك، كشفت التقارير الحديثة الصادرة في مايو 2026 عن تآكل حقيقي في النموذج الاتحادي، نتيجة السياسات الخارجية والأمنية التي تنتهجها أبوظبي والتي باتت تهدد النموذج الاقتصادي والاستقرار الداخلي للإمارات الأخرى.

وتؤكد التقارير أن هناك صراعاً خفياً يدور في أروقة الحكم، حيث تواجه القيادة المركزية ممانعة متزايدة من قِبل إمارات دبي والشارقة، وسط مخاوف من أن تؤدي سياسات التفرد والعسكرة إلى جر الدولة بأسرها إلى عزلة إقليمية ومخاطر أمنية واقتصادية جسيمة.

تضارب المصالح: دبي والشارقة في مواجهة أبوظبي

تتحدث التقارير الصحفية الغربية، لا سيما التحليلات الصادرة عن صحيفة “فايننشال تايمز” (FT)، عن شعور متزايد لدى إمارة دبي بأنها أصبحت رهينة للسياسات الخارجية العدائية التي تقودها أبوظبي. ويرى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أن التوترات العسكرية والأزمات الإقليمية، التي وصلت إلى حد التهديد المباشر للملاحة والمطارات، تعمل على تدمير ممنهج للعلامة التجارية لدبي كمركز مالي وسياحي آمن في المنطقة.

وتشير الصحيفة إلى أن ما يحدث هو إعادة صياغة قسرية للعقد الذي قام عليه الاتحاد، والذي نص تاريخياً على أن دبي تدير الاقتصاد بينما تدير أبوظبي السياسة؛ إلا أن التوجهات الحالية تشير إلى رغبة أبوظبي في الهيمنة على الاثنين معاً، مما يثير حفيظة حكام الإمارات الأخرى.

من جانبها، أشارت مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) إلى أن إمارة الشارقة، ممثلة بالشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، تمثل “ضمير الاتحاد” الرافض للتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل. وتجد الشارقة، بخلفيتها الثقافية والعروبية، صعوبة بالغة في تقبل تحول الدولة إلى مختبر للتقنيات الأمنية الإسرائيلية. وتتوقع المجلة أن يؤدي هذا التباين إلى جمود إداري داخل المجلس الأعلى للحكام، خاصة بعد أن بدأت الإمارات الشمالية (الشارقة، رأس الخيمة، الفجيرة) تبدي ممانعة في تنفيذ بعض الأجندات التي يفرضها الشيخ محمد بن زايد.

هشاشة النظام الأمني والاقتصاد وعزلة أبوظبي

في عددها الأخير لشهر مايو 2026، تناولت صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” (Le Monde Diplomatique) كيف كشفت التوترات الأخيرة في الخليجية والإقليمية هشاشة النظام الإماراتي على مستويي الطاقة والأمن. وأشارت إلى وجود تيار سيادي داخل الأسرة الحاكمة يرى أن الانفتاح غير المدروس والتحالفات الإقليمية الحساسة لم توفر الأمن الموعود، بل جعلت مدن الإمارات أهدافاً محتملة في أي صراع إقليمي.

وفي سياق متصل، أظهرت تقارير معهد ستوكهولم للسلام (SIPRI) ومركز “كارنيغي” وجود عزلة متزايدة لأبوظبي حتى داخل محيطها الخليجي، خاصة في ظل الخلافات العميقة مع المملكة العربية السعودية حول سياسات الإنتاج النفطي (أوبك)، وملفات اليمن والسودان. ويخشى حكام الإمارات الأخرى من أن سياسة “حرق الجسور” التي يتبعها بن زايد ستترك الدولة بلا حلفاء حقيقيين في حال وقوع أزمات كبرى.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الشرخ الداخلي

أمام هذا الصراع الصامت في أروقة الحكم، وضعت الصحافة الغربية ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الاتحاد الإماراتي:

  • الانكماش الاقتصادي والتبعية: في حال استمرار التوتر الأمني، قد تضطر دبي لطلب حزم إنقاذ مالي جديدة من أبوظبي، مما يعني فقدانها لآخر ما تبقى من استقلاليتها السياسية والاقتصادية.
  • تفكك الاتحاد فعلياً: بقاء الدولة ككيان واحد على الورق فقط، مع إدارة كل إمارة لشؤونها الأمنية والاقتصادية بشكل مستقل تماماً بعيداً عن المركز، وهو أمر بدأت تظهر بوادره في رفض دبي والشارقة لبعض الترتيبات العسكرية.
  • الحسم الأمني الداخلي: لجوء أبوظبي إلى إجراءات قاسية وصارمة ضد أي صوت معارض داخل الأسر الحاكمة، وهو سيناريو قد يفجر صراعاً داخلياً مفتوحاً لا يمكن التنبؤ بنهايته.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان