في الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون الطبيب رمزا للرحمة والإنقاذ، يُحتجز الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى الشهيد كمال عدوان، في ظروف صادمة داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتعرض لتعذيب جسدي ونفسي ممنهج.
وكشفت محاميته غيد قاسم، في تصريحات صادمة، عن حجم الانتهاكات التي يتعرض لها موكلها في سجن عوفر، مشيرة إلى تعذيب مروع طال جسده ونفسيته، بما في ذلك ضرر خطير في عينه، وعزل انفرادي استمر 25 يوما، وتحقيقات قاسية ومهينة.
تعذيب ممنهج وتنكيل نفسي في سجن عوفر
أكدت المحامية غيد قاسم أن موكلها الدكتور حسام أبو صفية خضع لخمسة جولات تحقيق طويلة ومرهقة، وصفته بالتحقيق “القاسي”، وتعرض خلالها لتعذيب جسدي مباشر أسفر عن إصابة خطيرة في عينه، إلى جانب تنكيل نفسي بالغ.
وأوضحت قاسم أن أطول جولة تحقيق استمرت 13 يوما بشكل متواصل، في ظروف عزل انفرادي خانقة داخل سجن عوفر الإسرائيلي.
وقالت إن هذه الانتهاكات لم تكن مجرد تجاوزات فردية، بل هي ممارسات ممنهجة تهدف إلى إنهاك الأسير وكسر إرادته، حيث تم إبقاء الطبيب في عزلة تامة عن العالم الخارجي، ما تسبب بتدهور حالته النفسية.
وذكرت أنه أبدى خلال زيارتها له قلقاً شديداً على مصير ابنه، متسائلاً عن مكان دفنه بعد أن علم بعودة الحرب، وهو ما يكشف الأثر العميق للتعذيب النفسي عليه.
كما أشارت إلى أن ظروف احتجازه شديدة القسوة، من حيث الإهمال الطبي المتعمد، وسوء المعاملة، والتجريد من أدنى حقوق الإنسان، ما يجعله في دائرة الخطر الحقيقي على حياته.
جلد وإهانات أمام الزملاء
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، الذي يتابع ملف المعتقلين الفلسطينيين عن كثب، حمّل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن حياة الطبيب أبو صفية وسلامته الجسدية والنفسية.
وأشار في بيان رسمي إلى معلومات موثوقة تفيد بأن الطبيب المعتقل تعرض منذ لحظة اعتقاله لتعذيب وحشي، بدأ من لحظة خروجه من المستشفى، حين تم استهدافه بقنابل صوت بشكل مباشر أثناء عملية الإخلاء.
وبحسب شهادات معتقلين سابقين من معسكر “سدي تيمان”، فإن الطبيب أبو صفية تعرض للضرب المبرح في التحقيق الميداني بمنطقة الفاخورة، حيث أُجبر على خلع ملابسه، وجُلد بواسطة أسلاك كهربائية سميكة تُستخدم في تمديدات الشوارع، في مشهد أشبه بالقرون الوسطى.
وأضافت الشهادات أن الجنود تعمدوا إذلاله أمام زملائه من الطواقم الطبية المعتقلة، في محاولة لكسر كرامته وكسر روح التضامن داخل الطواقم الصحية.
كما تم اقتياده لاحقاً إلى جهة مجهولة قبل أن يُحتجز في معسكر “سدي تيمان”، حيث تلقى المزيد من صنوف التعذيب، رغم إصابته المسبقة نتيجة القصف الإسرائيلي على مستشفاه، الذي استمر في أداء واجبه الإنساني حتى آخر لحظة قبل اقتحامه من قبل الجيش الإسرائيلي.
دعاية كاذبة وتواطؤ إعلامي
المرصد الأورومتوسطي نبّه إلى الحملة التضليلية التي تمارسها سلطات الاحتلال لتجميل صورة تعاملها مع المعتقلين الفلسطينيين، حيث بثت وسائل إعلام قريبة من الجيش الإسرائيلي فيديوهات دعائية تظهر الطبيب أبو صفية في مشهد يبدو “إنسانيا”، لكنه كان مجرد تمثيل دعائي، إذ جرى تعذيبه وإهانته فور انتهاء التصوير، حسب شهادات المعتقلين.
هذا السلوك ليس جديداً على سلطات الاحتلال التي تنكر، في حالات كثيرة، عمليات الاعتقال وتخفي أماكن احتجاز المعتقلين لأيام وأسابيع، وهو ما يُعد شكلاً من أشكال “الإخفاء القسري”، ويثير قلقاً عميقاً حول مصير الطبيب حسام أبو صفية، خاصة في ظل تاريخ الاحتلال في قتل أسرى تحت التعذيب، لا سيما من الكوادر الطبية التي جرى استهدافها منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023.
واعتبر المرصد أن إنكار اعتقال الطبيب أبو صفية، ومحاولة تصوير اعتقاله وكأنه يتم في ظروف إنسانية، مؤشر خطير ينذر بمصير مأساوي، ويتطلب تدخلاً عاجلاً من المؤسسات الدولية لإنقاذه، ومحاسبة من تورطوا في تعذيبه.
طبيب في ساحة معركة.. والضمير الإنساني في اختبار
قضية الطبيب حسام أبو صفية تمثل نموذجاً صارخاً لاستهداف الطواقم الطبية في غزة، وتحويل أدوات الإنقاذ إلى أهداف عسكرية في خرق سافر للقانون الدولي الإنساني.
فأن يُعتقل طبيب أثناء تأدية واجبه، ثم يُضرب ويُعذّب ويُهان، وتُخفى أخباره، هو عار على من يدّعون الدفاع عن “حقوق الإنسان” في العالم.
إن استمرار صمت المجتمع الدولي حيال هذه الانتهاكات، يُعد مشاركة غير مباشرة في جريمة التعذيب التي تُرتكب بحق أبو صفية وغيره من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي.
فكل دقيقة يقضيها الطبيب أبو صفية في زنزانته المعتمة، هي طعنة في جسد الإنسانية، واختبار قاسٍ لمصداقية المنظمات الحقوقية في مواجهة آلة القمع الإسرائيلية.
اقرأ أيضًا : مجازر متواصلة في رفح وخانيونس: الاحتلال يصعّد قصفه وسط صمت عربي وتواطؤ دولي