في مشهد دموي متكرر بات يمثل الحياة اليومية للفلسطينيين في قطاع غزة، استشهد ما لا يقل عن 23 فلسطينياً، بينهم نساء وأطفال، في سلسلة غارات إسرائيلية استهدفت مناطق سكنية ومخيمات للنازحين جنوب القطاع، وتحديدًا في مدينتي رفح وخانيونس.
القصف طال منزل عائلة عاشور في منطقة النصر جنوب رفح، وأدى إلى استشهاد 8 مدنيين، بحسب مصادر طبية من مستشفى غزة الأوروبي، في حين استشهد اثنان من عائلة الحشاش في قصف مماثل.
كما استهدفت الغارات خيام نازحين في منطقة الفخاري شرق خانيونس، ما أسفر عن 4 شهداء آخرين على الأقل.
في خانيونس أيضًا، استقبل مستشفى ناصر جثامين 9 شهداء بعد قصف إسرائيلي استهدف عدة منازل بشكل متزامن، في واحدة من أوسع الهجمات على المدينة منذ أيام.
شهود عيان أكدوا أن الاحتلال قصف 6 منازل متفرقة في المدينة، دون أي إنذار مسبق، مما يزيد من أعداد الضحايا في صفوف المدنيين الذين لا يجدون ملجأ آمنًا في القطاع المحاصر.

القسم الثاني: استهداف الطواقم الطبية والإنقاذ
في تطور بالغ الخطورة، أعلنت هيئة الدفاع المدني الفلسطيني عن فقدان الاتصال بطاقم إنقاذ أثناء محاولته انتشال مسعفين تابعين لجمعية الهلال الأحمر كانوا قد تعرضوا لقصف مباشر من الاحتلال في منطقة البركسات غرب رفح.
ما يجعل هذا الحدث جريمة مزدوجة هو أن الطواقم الطبية والإنقاذ عادة ما تكون محمية بموجب القانون الدولي، ومع ذلك تُستهدف بشكل ممنهج.
جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بدورها أكدت أن “إسرائيل” حاصرت سيارات إسعاف كانت تحاول إنقاذ الجرحى من تحت الأنقاض، مشيرة إلى أنها فقدت الاتصال مع فريقها منذ ساعات.
وأفادت شهادات محلية بأن الحصار جرى عبر طائرات استطلاع من نوع “كواد كابتر” نفذت عمليات قصف مدفعي مكثف في المنطقة، مما حال دون تحرك سيارات الإسعاف، وعرّض المصابين لخطر الموت تحت الأنقاض.
استهداف طواقم الإسعاف يعكس بوضوح استراتيجية الاحتلال في تقويض أي جهد إنساني لإنقاذ الأرواح، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية بمثابة “إعدام ميداني” ممنهج يتكرر بحق منقذين ومسعفين، لا يشكلون أي خطر على جنود الاحتلال أو أمنه، بل ينقذون ضحاياه من المدنيين.
أوامر إخلاء في رفح
لم تكتفِ قوات الاحتلال بقتل المدنيين وقصف منازلهم، بل أصدرت أوامر إخلاء عاجلة لسكان منطقة تل السلطان غرب رفح، محذرة من أنها “منطقة قتال خطرة” وحظرت فيها التنقل باستخدام المركبات.
المتحدث باسم جيش الاحتلال، أفيخاي أدرعي، أعلن بدء هجوم بري على الحي في خطوة تهدف إلى توسيع العمليات العسكرية في الجنوب، رغم الهدنة المزعومة.
الأمر بالانتقال إلى منطقة “المواصي”، التي تمتد على طول الساحل من جنوب خانيونس إلى شمال دير البلح، يأتي في وقت تستهدف فيه طائرات الاحتلال هذه المنطقة أيضًا، حيث سقط فيها ضحايا مدنيون الليلة الماضية.
هذا الإجراء يكشف عن خداع متعمد يمارسه الاحتلال، إذ يطلب من المدنيين النزوح إلى مناطق غير آمنة، مما يؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا.
منذ يوم الثلاثاء وحتى السبت فقط، أسفر التصعيد العسكري الإسرائيلي الجديد عن استشهاد 634 فلسطينياً، بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال، وإصابة أكثر من 1170 آخرين، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.
هذه المجازر تأتي في وقت فشلت فيه إسرائيل بتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، رغم التزام حركة حماس الكامل بها.
نتنياهو خضع مجددًا لضغوط تياراته اليمينية المتطرفة ورفض المضي في المفاوضات، في موقف ينسف أي أفق لحل سياسي أو إنساني.
الملفت أن هذه العمليات تتم بتنسيق كامل مع الإدارة الأمريكية، وفق ما أعلنته تل أبيب، مما يضع واشنطن في خانة الشريك الفعلي في جرائم الحرب الجارية.
ومع كل مجزرة جديدة، تزداد أعداد الشهداء والجرحى والمفقودين، حيث تجاوزت حصيلة العدوان منذ 7 أكتوبر الماضي أكثر من 162 ألف شهيد وجريح، فضلًا عن أكثر من 14 ألف مفقود.
صمت عربي وتواطؤ دولي يعززان آلة الإبادة
وسط هذه المجازر المتلاحقة، يظل الصمت العربي سيد الموقف، بينما تتحول بعض العواصم العربية إلى شركاء بالصمت أو التطبيع مع القاتل.
لا بيانات تنديد جادة، ولا تحركات دبلوماسية مؤثرة، ولا حتى دعم إنساني فعال يرقى لحجم الكارثة. ما يحدث في رفح وخانيونس جريمة إبادة مكتملة الأركان، تُنفذ على الهواء مباشرة أمام أعين العالم.
يبقى السؤال: إلى متى ستظل دماء الفلسطينيين رخيصة إلى هذا الحد؟ وأين يقف الضمير العربي من مشاهد الأطفال المحترقين تحت الأنقاض؟ الجريمة مستمرة، والمجرم معروف، لكن الضحية ما زالت تصرخ وحيدة وسط ركام الخيام والمنازل.
اقرأ أيضًا : صلاح البردويل.. شهيدُ القيام وصوتُ المقاومة الذي اغتالته صواريخ الاحتلال