في واحدة من أبشع حلقات الحرب السودانية المشتعلة منذ أكثر من عام ونصف، تحوّلت مدينة الفاشر –آخر معاقل الجيش في دارفور– إلى ساحة إبادة جماعية بحق المدنيين، عقب سقوطها بيد قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا. فقد كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، اليوم الأربعاء، عن أدلة مروّعة تتضمن صور أقمار صناعية وشهادات شهود عيان ومقاطع فيديو، تؤكد ارتكاب الميليشيا جرائم ضد الإنسانية داخل المدينة، شملت إعدامات جماعية وتعذيب وقتل للجرحى داخل المستشفيات.

وتُظهر الصور الجوية –بحسب تحليل الصحيفة– وجود مركبات عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع قرب جثث متناثرة وبقع دماء كبيرة يمكن رؤيتها من الجو، في مشهد يختصر فداحة ما جرى. كما تحدث عامل إغاثة للصحيفة عن “استهداف مئات، إن لم يكن آلاف، المدنيين في الفاشر وقتلهم على أسس عرقية”، مؤكدًا أن العديد من الرجال والفتيان جرى فصلهم عن عائلاتهم قبل أن يُعدموا ميدانيًا أو يتعرضوا للتعذيب الوحشي.

إعدامات داخل المستشفى السعودي.. جريمة تصرخ في وجه العالم

لم تقف فظائع الدعم السريع عند حدود الشوارع والأحياء، بل امتدت إلى المستشفيات التي يفترض أن تكون ملاذًا آمناً للجرحى. فقد نقلت تنسيقية لجان المقاومة بالفاشر اليوم الأربعاء أن “قوات الدعم السريع تقوم بتصفية جميع المصابين في المستشفى السعودي بجامعة الفاشر”. شهادات محلية عدة أكدت أن عناصر الميليشيا دخلوا غرف العناية المركزة وأطلقوا النار على المرضى والطاقم الطبي، في جريمةٍ وُصفت بأنها “إعدام ممنهج للحياة”.

وتأتي هذه الجرائم بعد يومٍ واحد من سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة إثر حصار دام شهورًا طويلة، منعت خلاله دخول المساعدات الإنسانية والدواء والغذاء. وبحسب مصادر من داخل الفاشر، فإن عمليات القتل تواصلت طوال الساعات الـ24 الماضية، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية والإنسانية، وتقطّع سبل الاتصال والإنقاذ.

وتشير المعلومات المتطابقة إلى أن عدد القتلى تجاوز الألفين خلال يومين فقط، وفق ما ذكرته القوة المشتركة للحركات المسلحة الداعمة للجيش السوداني في دارفور، والتي اتهمت “الدعم السريع” بتنفيذ عمليات تطهير عرقي منظمة ضد سكان المدينة من قبائل الزغاوة والفور.

صمت دولي وتواطؤ إقليمي.. الدور الإماراتي في تغذية الجريمة

ورغم فداحة المشاهد وشهادات المنظمات الإنسانية، يواصل المجتمع الدولي تردده في إدانة صريحة لتلك الجرائم، في وقت تتزايد فيه الاتهامات بدور خارجي في دعم الميليشيا المنفذة. فقد وجّهت تقارير أممية وصحفية –منها تقرير سابق لمجلس الأمن– اتهامات مباشرة للإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات عبر قواعدها في تشاد وأفريقيا الوسطى واليمن.

وتشير هذه التقارير إلى أن الطائرات الإماراتية استخدمت مطارات مدنية لنقل أسلحة وذخائر إلى الميليشيا خلال الأشهر الماضية، تحت غطاء “مساعدات إنسانية”، وهو ما اعتبره مراقبون استمرارًا لسياسة أبوظبي في توظيف الميليشيات لخدمة أجنداتها الإقليمية، كما فعلت في ليبيا واليمن.

ويرى محللون أن ما جرى في الفاشر هو ثمرة مباشرة لهذا الدعم الخارجي، إذ تحوّلت قوات الدعم السريع من ميليشيا قبلية إلى قوة عسكرية مدججة بأسلحة حديثة، مكّنتها من اجتياح دارفور والتمدد نحو مدن أخرى. ويرجّح أن الإمارات تسعى –من خلال هذه الاستراتيجية– إلى توسيع نفوذها في منطقة القرن الأفريقي والساحل، والسيطرة على مسارات التجارة والذهب والنفط عبر وكلاء محليين.

إدانات عربية ودعوات للمحاسبة

أمام حجم المأساة، دانت جامعة الدول العربية مساء الثلاثاء “الجرائم المروّعة” التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين في الفاشر. وطالبت بتقديم جميع المسؤولين عن الانتهاكات إلى المحاكمة الدولية، مؤكدة أن “الوضع الراهن يهدد استقرار السودان ووحدته الإقليمية والسلم الإقليمي”.

كما دعت الجامعة إلى “الوقف الكامل للأعمال القتالية، والسماح للمدنيين بمغادرة المدينة دون عوائق، وضمان دخول المساعدات الإنسانية العاجلة”. الموقف العربي جاء متأخراً –بحسب مراقبين– لكنه يعكس إدراكًا متأخرًا لحجم الكارثة التي قد تمتد إلى مدن دارفور الأخرى، وربما إلى دول الجوار إن استمر الصراع بلا رادع.

ممر آمن ومأساة ممتدة

من جهتها، طالبت الأمم المتحدة مجددًا بفتح “ممر آمن” للمدنيين في الفاشر، ودعت قوات الدعم السريع إلى الالتزام بالقانون الإنساني الدولي. وقالت المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إن المدينة تشهد “كارثة إنسانية هي الأسوأ في العالم حاليًا”، محذرة من أن استمرار الانتهاكات سيؤدي إلى “انهيار كامل للوجود البشري” في شمال دارفور.

ويأتي ذلك في ظل حربٍ مدمّرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 15 أبريل/نيسان 2023، خلّفت أكثر من 20 ألف قتيل و15 مليون نازح ولاجئ، في واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في القرن الحالي. وبينما يتحدث العالم عن حلول سياسية، يواصل الدعم السريع –بدعم خارجي واضح– تنفيذ مخطط دموي يهدد بإبادة جماعية جديدة في قلب أفريقيا.

خاتمة:
إن ما يجري في الفاشر ليس معركة عسكرية بقدر ما هو فصل دموي في حرب الإبادة ضد المدنيين العُزّل، تُدار بأيدٍ سودانية وتمويلٍ وسلاحٍ إماراتي، تحت أنظار عالمٍ يكتفي بالمشاهدة. وإذا استمر الصمت الدولي، فسيُكتب في ذاكرة دارفور فصل جديد من الفظائع، عنوانه: “الفاشر.. المدينة التي خُنقت بدعم إماراتي وصمتٍ أممي.”

اقرأ أيضًا : الإمارات في مرمى الاتهام: تسليح “الدعم السريع” بأسلحة بريطانية يكشف شبكة توريد خفية وراء جرائم دارفور