في خضم الحرب المتواصلة على قطاع غزة، تتوالى الشهادات التي تفضح ما يجري خلف جدران السجون الإسرائيلية، مؤكدة أن ما يُمارَس ليس تجاوزات فردية، بل سياسة ممنهجة يقودها رأس السلطة في تل أبيب. روايات الناجين من الاحتجاز، خصوصًا من المتطوعين الدوليين في المهام الإنسانية، تكشف عن تحول السجون إلى أدوات انتقام سياسي، وعن استخدام التعذيب والترهيب كسلاح ردع لكل من يحاول كسر الحصار أو فضح الجرائم.

شهادة الناشطة الحقوقية لينا الطبال تندرج ضمن هذا السياق، لكنها تكتسب خطورة مضاعفة بسبب ما تحمله من تفاصيل مباشرة عن تدخل أعلى هرم السلطة الإسرائيلية في عمليات القمع داخل المعتقلات.

قرصنة إنسانية في عرض البحر

انطلقت قافلة “أسطول الصمود” محمّلة بالمساعدات الطبية والغذائية باتجاه غزة، في محاولة لكسر الحصار المفروض منذ سنوات. غير أن البحرية الإسرائيلية تعاملت مع القافلة كهدف عسكري، فحاصرت السفينة بزوارق حربية في عرض البحر، وأطلقت النار التحذيري، وأجبرت المتطوعين على وقف المحركات.

وفق شهادة الطبال، لم يكن على متن السفينة أي سلاح أو مظهر عسكري، بل متطوعون مدنيون يعملون في المجال الإنساني. ومع ذلك، جرى اقتيادهم بالقوة إلى داخل الأراضي المحتلة، في خطوة تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي البحري واتفاقيات جنيف، وترقى إلى جريمة قرصنة مكتملة الأركان.

احتجاز بلا قانون… وتعذيب بلا حدود

ما إن نُقل المتطوعون إلى المعتقلات، حتى بدأت مرحلة جديدة من الانتهاكات. تحقيقات قسرية، محاكمات صورية، منع من التواصل مع المحامين، واحتجاز دون أي أساس قانوني. داخل الزنازين، تصف الطبال ظروفًا قاسية شملت حرمانًا متعمدًا من الطعام والدواء، وتقديم مياه ملوثة غير صالحة للشرب، إضافة إلى تعذيب نفسي قائم على التهديد المستمر ومنع النوم.

وتؤكد أن بعض المحتجزات تعرضن للضرب، وأُجبرن على التوقيع على أوراق تحت التهديد، في انتهاك واضح لكل المواثيق الدولية التي تحظر التعذيب والمعاملة المهينة.

نتنياهو يقتحم الزنزانة: الإرهاب بوجه رسمي

أخطر ما ورد في الشهادة يتمثل في اقتحام بنيامين نتنياهو نفسه الزنزانة التي كانت تحتجز فيها الطبال، عند الساعة الرابعة فجرًا، برفقة قوة كوماندوز وكلاب بوليسية. مشهد يختصر طبيعة النظام الحاكم: بنادق موجهة إلى الرؤوس، تهديد بالقتل، ووعيد باستخدام الغاز، واتهامات جاهزة بالإرهاب.

وجود رئيس الحكومة شخصيًا في هذا المشهد لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابرًا، بل يعكس رغبة مباشرة في كسر الإرادة النفسية للمحتجزات، وتحويل السجن إلى مسرح استعراض سياسي. فنتنياهو، المحاصر داخليًا بقضايا فساد وفشل أمني، يستخدم القسوة المفرطة لإعادة إنتاج صورته كـ“رجل أمن”، ولو على حساب أبسط القيم الإنسانية.

السجون كامتداد للحرب على غزة

ما يجري داخل الزنازين ليس منفصلًا عن الحرب في غزة، بل يمثل امتدادًا لها. سياسة التجويع، الإذلال، ونزع الإنسانية، تُستخدم في السجون كما تُستخدم ضد المدنيين في القطاع. الهدف واحد: كسر أي إرادة مقاومة، سواء كانت فلسطينية أو تضامنية دولية.

اتهام المتطوعين بالإرهاب يعكس محاولة لشيطنة كل أشكال التضامن مع الفلسطينيين، وتحويل العمل الإنساني نفسه إلى جريمة. هكذا يُعاد تعريف “الأمن” وفق منطق نتنياهو: كل من يقترب من غزة عدو، وكل من يكسر الحصار هدف مشروع.

التضييق بعد الإفراج… عقاب لا ينتهي

حتى بعد الإفراج، لا تنتهي معاناة الأسرى. فالناجون يواجهون ملاحقات وتهديدات مستمرة، داخل فلسطين وخارجها. وتكشف الشهادة عن نقاشات داخل الإعلام الإسرائيلي حول إبعاد الأسرى إلى “أقصى الأرض”، في محاولة لمنعهم من العودة أو التأثير مجددًا.

هذه السياسة تعكس ذهنية استعمارية قديمة تقوم على الإقصاء والتهجير، لا على أي أفق سياسي. وهي جزء من مشروع أوسع يسعى إلى تفريغ الأرض من أهلها ومحو الهوية الفلسطينية.

نتنياهو ومسؤولية الجرائم الممنهجة

مع تراكم الشهادات، تتعزز صورة نتنياهو باعتباره المسؤول المباشر عن منظومة قمع متكاملة، من البحر إلى الزنازين. لم يعد الأمر يتعلق بقرارات عسكرية معزولة، بل بسياسة دولة يقودها شخص لا يتردد في استخدام التعذيب والإرهاب الرسمي كأدوات حكم.

هذه الروايات، مهما حاولت إسرائيل إنكارها، تشكل وثائق اتهام سياسية وأخلاقية، وقد تتحول مستقبلا إلى ملفات قانونية تلاحق نتنياهو ونظامه، في زمن تتهاوى فيه الأقنعة وتنكشف الحقائق.

اقرأ أيضا: تايمز أوف إسرائيل: نتنياهو يعتزم السفر إلى القاهرة لتوقيع اتفاقية غاز مع مصر