في مشهد يتكرر يوميًا ويكشف زيف كل الادعاءات عن “التهدئة”، استشهد طفلان فلسطينيان، السبت، جراء انفجار قنبلة أطلقتها قوات الاحتلال قرب مستشفى كمال عدوان في مشروع بيت لاهيا شمالي قطاع غزة. الطفلان، من عائلة الزوارعة، كانا يتحركان في محيط يفترض أنه آمن نسبيًا لوجود مرفق طبي، لكن الاحتلال اختار تحويل المكان إلى ساحة قتل مفتوحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية التي تحظر استهداف المدنيين، خصوصًا الأطفال والمنشآت الطبية.
هذا الاستهداف لا يمكن عزله عن سياسة ممنهجة يتبعها الاحتلال تقوم على استخدام الذخائر المتفجرة في المناطق المكتظة، حتى بعد الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار، في رسالة واضحة مفادها أن حياة الفلسطينيين تظل مباحة، وأن أي التزام بالاتفاقات لا يتجاوز كونه حبرًا على ورق.

قصف مناطق انسحب منها الجيش.. خرق فاضح للاتفاق
في وقت سابق من اليوم ذاته، أصيب عدد من الفلسطينيين إثر قصف إسرائيلي استهدف شارع غزة القديم في بلدة جباليا شمالي القطاع، وهي منطقة كان جيش الاحتلال قد انسحب منها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار. هذا القصف يعكس نمطًا ثابتًا من الخروقات المتعمدة، حيث يعمد الاحتلال إلى إعادة استهداف المناطق التي ينسحب منها، ما ينسف عمليًا أي معنى للتهدئة.
ولا يتوقف الأمر عند القصف المدفعي، إذ أُصيب فلسطيني برصاص الاحتلال في منطقة السلاطين ببلدة بيت لاهيا، بينما أصيب آخر برصاصة في الرأس وسط مدينة خانيونس جنوبي القطاع، بعد أن أطلقت مسيّرة إسرائيلية النار عليه قرب مفترق عمارة جاسر. استخدام المسيّرات في استهداف الأفراد يعكس تحوّلًا نحو “القتل الانتقائي اليومي”، حتى في غياب مواجهات أو اشتباكات.
نار من البر والبحر والجو.. غزة تحت حصار النار
شهود عيان أكدوا أن قوات الاحتلال شنت غارات على مناطق جنوب شرقي خانيونس، وهي مناطق تقع ضمن نطاق السيطرة المحدد في الاتفاق، بالتزامن مع إطلاق الآليات العسكرية نيرانها بشكل كثيف. كما أطلقت بحرية الاحتلال نيرانًا عشوائية باتجاه ساحل المدينة، في استمرار لسياسة إرهاب الصيادين والسكان على حد سواء.
وفي وسط القطاع، أطلقت آليات الاحتلال نيرانها شرقي مخيم المغازي للاجئين، بينما قصفت المدفعية الإسرائيلية بشكل مكثف المناطق الشرقية لمدينة غزة، الخاضعة أصلًا لسيطرة جيش الاحتلال. هذا التوسع في رقعة الاستهداف يؤكد أن الاحتلال يتعامل مع غزة باعتبارها ساحة مفتوحة للتجريب العسكري، لا منطقة يسكنها أكثر من مليوني إنسان.
أرقام تكشف حجم الجريمة المستمرة
بحسب إحصائية جديدة لوزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 71,654 شهيدًا و171,391 مصابًا منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وخلال الـ48 ساعة الماضية فقط، استشهد 4 مواطنين وأصيب 12 آخرون بنيران وقصف الاحتلال، في وقت لا يزال فيه عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات، بسبب عجز طواقم الإسعاف والإنقاذ عن الوصول إليهم.
وأوضحت الوزارة أن عدد الشهداء منذ إعلان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي ارتفع إلى 481 شهيدًا، فيما بلغت الإصابات 1,313 إصابة، إضافة إلى انتشال 713 جثمانًا. هذه الأرقام تؤكد أن “الهدنة” لم توقف آلة القتل، بل أعادت تنظيمها بوتيرة أقل صخبًا وأكثر استمرارية.
البرد يقتل حيث يعجز العالم عن الحماية
في واحدة من أكثر الصور قسوة، أعلنت وزارة الصحة وفاة الطفل علي أبو زور (3 أشهر) نتيجة البرد الشديد في مستشفى شهداء الأقصى، لترتفع وفيات الأطفال بسبب البرد منذ بداية فصل الشتاء إلى 10 حالات. هذه الوفيات ليست كارثة طبيعية، بل نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال التي دمرت البيوت والبنية التحتية، وحرمت السكان من أبسط مقومات الحياة، من تدفئة وكهرباء ومأوى.
إجرام بلا محاسبة
ما يجري في بيت لاهيا وجباليا وخانيونس ليس “حوادث منفصلة”، بل جزء من سياسة إسرائيلية تقوم على الإبقاء على غزة في حالة نزف دائم، حتى في فترات الإعلان عن وقف إطلاق النار. استمرار استهداف الأطفال، وقصف المناطق المنسحب منها، وإطلاق النار العشوائي من البر والبحر، كلها مؤشرات على إجرام ممنهج، يتم تحت سمع وبصر المجتمع الدولي الذي يكتفي ببيانات القلق.
في ظل غياب أي محاسبة حقيقية، يتحول الاحتلال إلى كيان فوق القانون، يمارس القتل كأداة سياسية وعسكرية، بينما يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر، بأرواح أطفالهم وأمنهم ومستقبلهم. غزة، مرة أخرى، تُترك وحدها في مواجهة آلة قتل لا تعرف التوقف.
اقرأ أيضًا : قمع الحريّات الأكاديمية في بيروت: الجامعة الأمريكية تمنع محاضرة داعمة لفلسطين