تتوالى الشواهد الميدانية والطبية التي توثق فصلاً جديدًا من جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الأسرى الفلسطينيين، بعدما كشفت نتائج فحوص وتسليم جثامين شهداء عن تعرضهم لعمليات إعدام ميداني بعد اعتقالهم أحياء. فقد أكد مكتب إعلام الأسرى التابع لحركة حماس أن العشرات من الجثامين التي سلّمها الاحتلال عبر الصليب الأحمر تحمل آثار تعذيب وتقييد ودهس بالآليات، في مشهد يعيد إلى الأذهان ممارسات الاحتلال التي تتحدى كل القوانين الدولية والإنسانية.

ووصل إلى مستشفى ناصر في خانيونس، الجمعة، ثلاثون جثمانًا جديدًا لفلسطينيين أفرج عنهم الاحتلال، ليرتفع عدد الجثامين المسلّمة منذ منتصف أكتوبر إلى 225، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق تبادل الأسرى والجثامين بين إسرائيل وحركة حماس بوساطة مصرية-قطرية-تركية وبإشراف أمريكي. ووفق المعادلة التي أوردتها وكالة الأناضول، يفرج الاحتلال عن 15 جثمانًا فلسطينيًا مقابل كل جثة لأسير إسرائيلي تحتجزه المقاومة.

التحليل الأول: ملامح الإعدام الميداني وتوثيق الجريمة
الصور والمشاهد الميدانية التي صاحبت عملية التسليم كشفت، وفق مكتب إعلام الأسرى، عن أن بعض الجثامين كانت مكبلة الأيدي بالأصفاد، وعليها آثار حروق وسحق واضح بفعل دهس المدرعات. وتؤكد هذه العلامات أن الاحتلال لم يكتفِ بقتل الأسرى، بل مارس ضدهم تعذيبًا ممنهجًا قبل تصفيتهم. كما أن احتجاز الجثامين في الثلاجات أو دفنها في ما يسمى بـ”مقابر الأرقام” يعكس نهجًا مقصودًا لإهانة الفلسطينيين حتى بعد استشهادهم، في خرق صريح لاتفاقيات جنيف التي تحظر الإساءة إلى الموتى.

وتصل الجثامين عادة دون أي تعريف رسمي من سلطات الاحتلال، مما يضطر ذوي الشهداء إلى التعرف عليهم عبر الملابس أو العلامات الجسدية المتبقية، في ظل انعدام القدرة على إجراء الفحوص المخبرية نتيجة تدمير البنية الصحية والمختبرات في غزة. وتشير تقارير منظمات فلسطينية إلى أن الاحتلال يحتجز نحو 735 جثمانًا في “مقابر الأرقام”، بينما كشف تقرير لصحيفة هآرتس في يوليو الماضي أن جيش الاحتلال يحتفظ بـ1500 جثمان لفلسطينيين من غزة في معسكر سدي تيمان، الذي وصفه حقوقيون بأنه “مسلخ بشري”.

التحليل الثاني: عقلية بن غفير والتمهيد لسياسة الإعدام الجماعي
تزامن تسليم الجثامين مع نشر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير مقطعًا مصورًا يظهر فيه صفوفًا من الأسرى الفلسطينيين الممددين أرضًا ومكبلي الأيدي، قائلاً بوضوح: “هكذا نعاملهم، وبقي علينا فقط إعدامهم”. هذا التصريح الخطير يعكس الذهنية العنصرية المهيمنة على حكومة نتنياهو، التي لم تعد تكتفي بالتحريض اللفظي، بل تتباهى علنًا بسياسات الإهانة والتصفية.

ويرى مراقبون أن تصريحات بن غفير ليست مجرد زلات فردية، بل هي جزء من خطاب سياسي منظم يرمي إلى تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لتقبل سياسة “الإعدام الجماعي” للأسرى، تمامًا كما حدث في حروب سابقة عندما استُخدمت الدعاية الأمنية لتبرير جرائم حرب ضد المدنيين. وقد سبق لبن غفير أن توعد الأسير مروان البرغوثي بالقتل، ونشر صورًا مهينة للمعتقلين في زنازين الاحتلال، ما جعل من سجونه مسرحًا مفتوحًا للتنكيل الممنهج.

التحليل الثالث: الإبادة المستمرة في ظل صمت دولي
تزامن الكشف عن هذه الشواهد مع إعلان هيئة البث العبرية نية الحكومة الإسرائيلية تسريع محاكمة ما بين 250 و300 أسير فلسطيني تتهمهم بالمشاركة في عملية 7 أكتوبر 2023، أمام محكمة خاصة يجري إعدادها بموجب قانون جديد. الخطوة، بحسب منظمات حقوقية، تمثل محاولة لإضفاء “شرعية زائفة” على جرائم تصفية الأسرى الذين اعتقلوا بعد العمليات، تحت ذريعة المحاكمة السريعة.

ويقبع في سجون الاحتلال أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، يعانون من التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، ما أدى إلى وفاة العشرات. كما تتزايد حالات الاختفاء القسري وقطع الاتصال بالمعتقلين، وسط تعتيم متعمد من مصلحة السجون الإسرائيلية. ويرى مختصون أن سياسة الاحتلال في التعامل مع الأسرى هي امتداد لحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة منذ عامين، والتي أودت بحياة أكثر من 68 ألف فلسطيني وأصابت أكثر من 170 ألفًا، معظمهم من الأطفال والنساء، مخلّفة دمارًا طال 90% من البنية المدنية للقطاع.

في ظل هذا الواقع، تتعاظم المطالب الفلسطينية والدولية بتشكيل لجنة تحقيق أممية مستقلة لمحاسبة قادة الاحتلال على جرائمهم بحق الأسرى الأحياء والشهداء المحتجزة جثامينهم. فالصمت الدولي أمام هذه الانتهاكات لم يعد يُفسّر إلا كشراكة ضمنية في الجريمة، بينما يواصل الاحتلال توسيع دائرة القتل والتعذيب دون رادع أو مساءلة.

الخاتمة: بين شواهد الطب وتقارير الحقوق.. الحقيقة لا تُدفن
تظهر الأدلة الطبية، وتصريحات بن غفير، والممارسات الميدانية، أن الاحتلال الإسرائيلي يتبع سياسة إعدام ميداني ممنهجة ضد الأسرى الفلسطينيين، متجاوزًا كل الخطوط الحمراء الإنسانية والقانونية. ومع كل جثمان يُسلَّم، تتكشف طبقات جديدة من جرائم تُرتكب في الظل، بينما يُدفن الشهداء بلا أسماء في قبور مرقّمة.
لكن هذه الشواهد، مهما حاول الاحتلال طمسها، تبقى وثائق دامغة على جريمة دولة تمارس القتل المنهجي باسم “الأمن”، في وجه شعب أعزل يطالب فقط بحقه في الحياة والحرية.

اقرأ أيضًا : العالم يقاطع الإمارات.. من صفقات السلاح إلى مجازر الفاشر