في تطور أمني لافت يُعد من بين أكثر الضربات إحراجاً لدولة الاحتلال منذ اندلاع الحرب على غزة، ضرب صاروخ باليستي أطلق من اليمن، الأحد، مطار “بن غوريون” الاستراتيجي قرب مدينة اللد، محدثًا انفجارًا هائلًا وسط فشل واضح لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والأمريكية.
هذه الضربة كشفت، بوضوح، هشاشة منظومة الردع العسكرية لدى الاحتلال، ودفعت الإعلام الإسرائيلي إلى الحديث عن “ثغرات قاتلة” في نظام الدفاع متعدد الطبقات.
الضربة التي تبنتها جماعة “أنصار الله” اليمنية (الحوثيون) استهدفت ساحة في المطار بالقرب من مبنى الركاب رقم 3، وأسفرت عن إصابة عدد من الأشخاص بجروح متفاوتة، بحسب ما أعلنته خدمة الإسعاف الإسرائيلية “نجمة داود الحمراء”.
وبثت وسائل إعلام إسرائيلية مقاطع مصوّرة تُظهر لحظة الانفجار، الذي تسبب في حالة من الذعر داخل المطار وأدى إلى تعليق مؤقت لحركة الملاحة الجوية.
ذعر وصراخ.. لحظة دك الصاروخ اليمني لمطار بن غوريون في "تل أبيب" pic.twitter.com/zVBmB4GygB
— رضوان الأخرس (@rdooan) May 4, 2025
فشل مدوٍ لمنظومتي “حيتس 3″ و”ثاد”.. ماذا يعني ذلك؟
الإحراج الأكبر جاء من اعتراف المصادر الأمنية الإسرائيلية بأن الصاروخ اليمني تجاوز أربع طبقات من منظومات الدفاع الجوي، بما في ذلك نظام “حيتس 3” المتطور، ونظام “ثاد” الأمريكي المنتشر لحماية الأجواء من الصواريخ البالستية بعيدة المدى.
هذا الفشل يعيد فتح ملفات التساؤلات حول فعالية هذه المنظومات، ومدى قدرة الاحتلال على حماية منشآته الحيوية في حال اندلاع مواجهة متعددة الجبهات، لا سيما مع اتساع رقعة العمليات منذ أكتوبر 2023.
وتعليقاً على الهجوم، قالت القناة 12 الإسرائيلية إن الصاروخ “اخترق السماء الإسرائيلية ووصل إلى قلب المطار، في ضربة تُظهر ذكاء نوعياً من مطلقيه، وعجزاً استخباراتياً وعسكرياً في رصد مساره واعتراضه”.
القيادي في جماعة أنصار الله، نصر الدين بن عامر، أكد في تصريحاته أن “مطار بن غوريون هدف مشروع لصواريخ القوات المسلحة اليمنية طالما استمر العدوان على غزة واستمر الحصار”، محذرًا شركات الطيران العالمية من التعامل مع المطار الذي وصفه بـ”غير الآمن”.
جبهة جديدة تربك الحسابات العسكرية للاحتلال
ما يثير القلق الحقيقي في إسرائيل ليس فقط ما وقع اليوم، بل التهديد الاستراتيجي المتزايد الذي تمثله الجبهة اليمنية في إطار محور المقاومة.
فمنذ أكتوبر 2023، أطلق الحوثيون عدة صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه مدن إسرائيلية، في رسالة تؤكد جاهزيتهم للمشاركة في المعركة الكبرى من خارج محيط غزة ولبنان.
الهجوم الجديد يأتي ليكرّس تحولًا مهمًا في ديناميكية الصراع، إذ إن قدرة جماعة الحوثي، المحاصرة منذ سنوات، على الوصول إلى العمق الإسرائيلي واستهداف مطار دولي من هذا النوع، يكشف أن “عقيدة الردع الإسرائيلية” لم تعد قادرة على حماية عمقها الاستراتيجي.
اللافت أن هذا التطور لا يأتي من غزة أو الجنوب اللبناني، بل من اليمن، الذي يبعد قرابة 2000 كيلومتر عن تل أبيب. ويزيد هذا من خطورة الموقف، ويطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الأمن الإسرائيلي في ظل تصاعد “تعدد الجبهات”.
هشاشة الاحتلال وذعر داخلي متصاعد
الضربة التي وصفتها وسائل إعلام بأنها “اختراق غير مسبوق للمنطقة الآمنة”، تسببت في حالة من الذعر في الداخل الإسرائيلي، خاصة مع دوي صافرات الإنذار في تل أبيب والقدس الكبرى ومستوطنات الضفة الغربية.
سادت حالة من الفوضى داخل مطار بن غوريون، وهرع المئات إلى الملاجئ، في مشهد يعكس هشاشة منظومة الأمن المدني عند أول اختبار فعلي في العمق الإسرائيلي.
ورغم محاولات التهدئة التي بثها الجيش الإسرائيلي، فإن الواقع الميداني أثبت أن المنظومات الدفاعية التي طالما تفاخر بها الاحتلال، لم تعد سوى “جدران وهمية” أمام تطور تكتيكات المقاومة.
المتحدث باسم جماعة الحوثي، يحيى سريع، أعلن صراحة في بيان متلفز أن “الضربات ستتواصل حتى يتوقف العدوان على غزة”، مهددًا بأن المطار الإسرائيلي أصبح “خارج نطاق الأمان الجوي”، وهو ما يعني أن الضربات المقبلة قد تشمل أهدافًا أخرى أكثر حساسية في دولة الاحتلال.
رسائل مركبة: من اليمن إلى تل أبيب
في السياق العام، تمثل هذه الضربة رسالة مزدوجة: الأولى إلى إسرائيل بأن حرب غزة لن تبقى محصورة في الجنوب، والثانية إلى حلفائها الغربيين بأن دعمهم غير المشروط للاحتلال يقابله استعداد كامل من محور المقاومة لتوسيع رقعة النار.
كما أن نجاح الحوثيين في تنفيذ هذه العملية النوعية يأتي في وقت يُفترض أن اليمن يخضع لحصار جوي وبحري صارم من التحالف الذي تقوده السعودية، وهو ما يزيد من وزن هذه العملية ويحولها إلى سابقة استراتيجية.
وبينما يحاول الإعلام الإسرائيلي التقليل من خطورة الضربة، فإن الواقع يقول إن دولة الاحتلال تلقت واحدة من أقوى الصفعات منذ عقود، في عمق منشأة تُعد عصب الحركة الجوية والدبلوماسية والتجارية.
خاتمة: الصدمة تتجاوز المطار
ضرب مطار بن غوريون ليس مجرد حدث عسكري معزول، بل ضربة سياسية وأمنية مدوية تكشف مدى هشاشة البنية الدفاعية للاحتلال، وتفتح الباب أمام سلسلة من الضربات القادمة التي قد تطال مؤسسات أكثر حساسية، في ظل انهيار حالة الردع.
الاحتلال الذي كان يفاخر بقدرته على خوض الحروب دون أن تمس عمقه، أصبح اليوم في موقف دفاعي حرج، تحاصره صواريخ غزة، ومسيّرات لبنان، وضربات اليمن، وتنتظره جبهات جديدة من العراق وربما أماكن أخرى.
“إذا لم يكن مطار بن غوريون آمنًا.. فأين الأمان إذًا؟” — هذا هو السؤال الذي يتردد اليوم في أروقة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بينما يتفرج العالم على مشهد جديد من فشل الاحتلال الذي يدّعي التفوق.
اقرأ أيضًا : وقاحة إسرائيلية.. أول ظهور علني لعملاء “الموساد” منفذي “عملية البيجر” في لبنان