في مشهد فاضح يكشف عن مدى الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي بلغه الاحتلال الإسرائيلي، ظهر ثلاثة من عملاء جهاز الموساد الإسرائيلي، مساء السبت، في أول ظهور علني لهم، خلال مراسم احتفال الاحتلال بما يُسمى “يوم الاستقلال”، الذي يتزامن مع ذكرى نكبة فلسطين في العام 1948. 

هؤلاء العملاء هم من نفذوا “عملية البيجر” الدموية في لبنان، والتي أطلق عليها لاحقًا اسم “عملية النداء القاتل”، وأسفرت عن استشهاد العشرات من عناصر حزب الله والمدنيين اللبنانيين، في هجوم وُصف بأنه من أكثر عمليات الموساد خسة وخداعًا خلال السنوات الأخيرة.

هذا الظهور العلني الذي بثته وسائل الإعلام العبرية ووثقته مقاطع الفيديو، جاء على شكل تكريم رسمي من دولة الاحتلال لمرتكبي عملية مروعة نفذت بأسلوب احتيالي عبر أجهزة اتصال مفخخة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ولأعراف الحروب.

 

عملية “البيجر”: خديعة دموية بمباركة سياسية وعسكرية

نفّذ جهاز الموساد عمليته في 17 أيلول/سبتمبر 2024، بعد سنوات من الإعداد والتخطيط، عبر توزيع أجهزة نداء (بيجر) وأجهزة اتصال لاسلكية مفخخة بمتفجرات دقيقة داخل البطاريات. 

جرى زرع هذه الأجهزة في لبنان وسوريا، وتم تفجيرها عن بُعد بعد تسليمها لعناصر من حزب الله، ما أسفر عن سقوط حوالي 27 شهيدًا، إضافة إلى مئات الجرحى، بحسب تقديرات مصادر لبنانية مطلعة.

وفي اليوم التالي، فجّر الموساد دفعة جديدة من أجهزة الاتصال اللاسلكي “ووكي توكي”، التي كانت قد وُزّعت مسبقًا، ما ضاعف حصيلة الضحايا.

اللافت أن رئيس الموساد ديفيد برنياع وصف هذه العملية بأنها “نقطة تحول” في المواجهة مع حزب الله، مشيدًا بـ”قوة الحيلة والمكيدة التي تغلبت على السلاح”، وفق وصفه. 

هذه التصريحات، إلى جانب ما كشفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحقًا من معلومات حول اعتراض جهاز لفحص المتفجرات كان في طريقه من إيران إلى لبنان، تعكس بوضوح تورط المستويات السياسية والعسكرية العليا في الاحتلال بتنفيذ هذه الجريمة، وتؤكد أنها لم تكن سوى جزء من استراتيجية شاملة لإضعاف خصوم إسرائيل عبر وسائل تتجاوز الحروب التقليدية.

https://twitter.com/i/status/1918613460138529216

الظهور العلني: وقاحة سياسية ورسالة تهديد موجهة

ما يثير السخط هو أن العملاء الثلاثة ظهروا في احتفال رسمي لإيقاد الشعلة في ما يسمى “عيد الاستقلال”، وتعرّفوا إلى الحضور عبر الأحرف الأولى من أسمائهم فقط: “ر”، “د”، و”ن”.

هذه الرمزية تشير بوضوح إلى رغبة الاحتلال في إرسال رسالة مزدوجة: الأولى لجمهوره الداخلي الذي يعيش حالة من التوتر والانقسام بسبب حرب غزة المستمرة، والثانية لحزب الله والبيئة الحاضنة له في لبنان، بأن يد إسرائيل طويلة، وأنها قادرة على تنفيذ عمليات سرية وعلنية دون رادع.

تكريم العملاء علنًا، والاحتفاء بتفاصيل العملية، ليس سوى تأكيد على أن الاحتلال لا يرى في القانون الدولي أو المبادئ الإنسانية أي قيد، بل يعتبرها أدوات للاستعراض الإعلامي والبروباغندا.

فبدلًا من أن يُساق هؤلاء العملاء إلى المحاكم الدولية بتهم استخدام أسلحة مزيفة لقتل المدنيين، يظهرون على المنصات ويلقون التحية أمام الكاميرات، في مشهد لا يقل وقاحة عن جريمة الاغتيال ذاتها.

خاتمة: جريمة موثقة وانتكاسة أخلاقية للمجتمع الدولي

إن “عملية البيجر” لم تكن فقط جريمة مكتملة الأركان من حيث التخطيط والتنفيذ والاستهداف، بل تحولت لاحقًا إلى فضيحة أخلاقية وسياسية بتكريم منفذيها. ويطرح هذا التطور تساؤلات عميقة حول دور المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية في محاسبة إسرائيل على جرائمها.

لقد اختار الاحتلال أن يحتفل بمرتكبي الجريمة بدلًا من التبرؤ منهم، وأن يتفاخر باستخدام أساليب لا إنسانية بدلًا من الالتزام بالقانون الدولي. هذا الاعتراف العلني يجب أن يُستثمر من قبل منظمات حقوق الإنسان والمؤسسات القضائية، كأداة لملاحقة الموساد ومقاضاة قادته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

فما حدث ليس مجرد “عملية أمنية ناجحة”، بل جريمة اغتيال جماعية تمت عبر التلاعب بأدوات مدنية، وسط صمت دولي يزداد تواطؤًا يوماً بعد يوم.

اقرأ أيضًا : السويداء تكسر العزلة.. انتشار أمني رسمي يُجهض مشروع التقسيم الإسرائيلي – الإماراتي