تقاطعت مقالات في أبرز الصحف العالمية لتؤكد أن العالم يعيش مرحلة انكشاف أخلاقي وسياسي، بعدما فشل في وقف المآسي الممتدة من غزة إلى دارفور. وبينما تواصل إسرائيل الترويج لفكرة “الشرق الأوسط الجديد” المدعومة من بعض الأنظمة الخليجية، أبرزها الإمارات.

يرى باحثون أن المشروع مجرد “وهم استراتيجي” يتهاوى أمام حقائق الأرض، وأن التحالفات الجديدة القائمة على القوة والمال لا تصنع واقعا بديلا للاستقرار ولا تحقّق الأمن الإقليمي المنشود.

 

فورين أفيرز: الشرق الأوسط الجديد “وهم تل أبيب”

في تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز، كتب الباحث الأميركي مارك لينش أن الحديث عن “شرق أوسط جديد” هو “خرافة تتكرر كل عقد”، لكن ما يجري اليوم هو النسخة الأخطر، لأنها تُبنى على وهم الهيمنة الإسرائيلية بدعم من أنظمة عربية تسعى لتثبيت شرعيتها عبر التطبيع لا عبر إرادة شعوبها.

وأوضح لينش أن واشنطن لم تعد قادرة على السير في الاتجاه ذاته مع تل أبيب، لأن المصالح الأميركية تختلف جذريا عن الإسرائيلية، مضيفا أن إسرائيل “تتجه لتصنيع تهديدات جديدة” بعدما جعلت من نفسها خطرا إقليميا لا شريكا استراتيجيا.

وأشار المقال إلى أن تدمير غزة والتوجه لضم الضفة الغربية دمّرا فرص السلام، وجعلا من أي حديث عن نظام إقليمي جديد “مهزلة سياسية”، مؤكدا أن القوة العسكرية الإسرائيلية “بلغت ذروتها لكنها عجزت عن تحقيق الأمن أو فرض تسوية”.

ورأى الكاتب أن دولا مثل الإمارات والسعودية وقطر تسعى إلى هندسة توازن جديد، لكن ما تفعله أبوظبي على وجه الخصوص هو “تمويل مشاريع نفوذ عابرة للحدود، لا مشاريع استقرار إقليمي”، وهو ما يجعلها جزءا من “وهم الشرق الأوسط الجديد” الذي تحاول إسرائيل ترويجه.

هآرتس: الليكود يتحول إلى حزب الحريديم

وفي صحيفة هآرتس الإسرائيلية، كتب مقال رأي يهاجم التحولات العميقة داخل حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، واصفا إياه بأنه “تحول إلى حزب ديني مغلق يعتمد على دعم الحريديم للبقاء في السلطة”.

وأشار المقال إلى أن نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية- أصبح رهينة لزعماء التيار الديني الذين يمسكون بخيوط الائتلاف الحاكم، وأن الوزراء باتوا “ينفذون أجندات دينية ضيقة تمس جوهر الدولة العلمانية وتغذي التطرف”.

وأضاف أن التمويل الحكومي الموجّه نحو مؤسسات الحريديم والتعليم الديني يتم على حساب القطاعات المدنية والعسكرية، مما جعل إسرائيل “تتحول من دولة قومية إلى طائفة دينية تهيمن على القرار”.

وول ستريت جورنال: حزب الله يعيد تشكيل نفسه

أما وول ستريت جورنال الأميركية، فتناولت تعقيدات الوضع في لبنان، مشيرة إلى أن التطورات الأخيرة أظهرت أن نزع سلاح حزب الله “أمر شبه مستحيل”.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارات عربية أن الحزب أعاد تنظيم بنيته ليصبح أكثر لامركزية، على غرار أسلوبه في الثمانينيات، مما يعقّد أي محاولة لاجتثاثه عسكريا.

وخلصت الصحيفة إلى أن الحزب “لا يشعر بالهزيمة رغم الضربات القاسية”، وأنه يحتفظ بقاعدة دعم شعبية صلبة، مشيرة إلى أن استمرار الغموض في الموقف الأميركي من لبنان يعكس “تراجع النفوذ الغربي في المشرق” لصالح لاعبين جدد مثل إيران وروسيا والإمارات، التي أصبحت تموّل أجنحة سياسية ومشاريع اقتصادية في مناطق النزاع لتوسيع نفوذها.

واشنطن بوست: العالم خذل جيلا بأكمله

وفي زاوية الرأي بصحيفة واشنطن بوست، كتب الصحفي إيشان ثارور مقالا مؤثرا بعنوان “العالم خذل جيلا بأكمله”، تناول فيه المأساة المتفاقمة في السودان وسط صمت دولي خانق.

وأكد أن الحرب السودانية وصلت إلى “منعطف مروّع” في ظل تجاهل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي “لم تبذل سوى القليل لوقفها، لأنها أسيرة منطق الصفقات والصور الدعائية”.

وأضاف الكاتب أن الصراع في دارفور يُعد اليوم أكبر كارثة إنسانية في العالم، إذ قُتل عشرات الآلاف وشُرّد الملايين وسط إفلات تام من العقاب، مشددا على أن المجتمع الدولي فشل في حماية المدنيين “لأن مصالحه السياسية والاقتصادية أهم من حياة الناس”.

وختم ثارور مقاله بالقول إن هذا الفشل الأخلاقي هو “وصمة عار على جبين البشرية”، لأن العالم “تخلى عن جيل كامل في السودان واليمن وغزة”.

تايمز: مجازر الفاشر تُكشف من الفضاء

أما صحيفة تايمز البريطانية، فقد نشرت تقريرا استقصائيا استند إلى صور أقمار صناعية، كشف عن عمليات قتل جماعي في مدينة الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها، مشيرة إلى أن الجثث ظهرت في مقابر جديدة داخل أحياء سكنية بعد المعارك الأخيرة.

وأوضح التقرير أن منظمات الإغاثة تطالب بإنشاء ممرات آمنة للمدنيين وإدخال مساعدات عاجلة للناجين، في حين قال ديفيد ميليبند، رئيس لجنة الإنقاذ الدولية، إن “رؤية عدد قليل فقط من الناجين يغادرون المدينة بأمان يجب أن تثير قلق الجميع”، مضيفا أن العالم “لا يمكنه أن يغض الطرف عن فصل جديد من الرعب في دارفور”.

خاتمة تحليلية

تكشف هذه التغطيات عن خيط واحد يجمعها: انهيار النظام الأخلاقي الدولي، وفشل مشاريع القوة والتحالفات الزائفة التي تقودها أنظمة مثل الإمارات وإسرائيل. فالشرق الأوسط الذي يروّج له البعض كـ”نموذج استقرار” ليس سوى قشرة تخفي تحته جحيما من الحروب والتطهير العرقي، بينما تُترك شعوب المنطقة تواجه مصيرها وحدها في عالم فقد بوصلته الإنسانية.

اقرأ أيضًا : العالم يقاطع الإمارات.. من صفقات السلاح إلى مجازر الفاشر