كشف موقع “إنتلجنس أونلاين” الاستخباراتي الفرنسي عن نزاع عائلي متصاعد داخل أسرة آل نهيان الحاكمة في الإمارات، يتمحور حول ملكية عقارات فاخرة في بريطانيا وفرنسا كانت مسجلة باسم الرئيس الراحل الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، قبل أن تُنقل عام 2016 إلى مكتب حكومي خاص.
هذه الخطوة، بحسب التقرير، حرمت أبناء الشيخ خليفة من جزء كبير من الميراث، وأثارت أزمة صامتة داخل أروقة العائلة التي تدير ثروات تعد من بين الأكبر في العالم.

وأوضح الموقع أن العقارات التي تشمل قصورا وشققًا فارهة في قلب لندن وباريس، كانت تُدار عبر شركات واجهة أنشئت خصيصا لإخفاء الملكية الحقيقية للعائلة، قبل أن تُحوّل إدارتها إلى مؤسسة حكومية إماراتية تحت إشراف مباشر من مكتب محمد بن زايد. وتشير التسريبات إلى أن أبناء الشيخ خليفة يعتبرون هذه الخطوة “مصادرة غير مباشرة” لإرث والدهم الذي كان يمتلك مليارات الدولارات في الخارج.

وتحدث التقرير عن جهود “هادئة” تُبذل لإصلاح الوضع وإيجاد تسوية بين ورثة خليفة بن زايد وبقية أفراد آل نهيان، غير أن تلك المساعي تصطدم بحساسيات سياسية داخلية تتعلق بتوزيع النفوذ الاقتصادي بين أبناء زايد المؤسِّس، المعروفين باسم “بني فاطمة”.

ثروة بلا حدود.. حين تتلاشى الخطوط بين العائلة والدولة

تزامن الكشف مع تقرير موسّع نشرته وكالة “بلومبيرغ” الاقتصادية تناول حجم ثروة آل نهيان، التي تُقدّر بنحو 300 مليار دولار على الأقل، وهي ثروة تتجاوز بكثير ممتلكات أي عائلة مالكة في الخليج أو حتى أوروبا.
وأكدت الوكالة أن من الصعب التفريق بين ما تملكه الدولة الإماراتية وما تمتلكه العائلة الحاكمة، إذ تُدار الاستثمارات الحكومية والخاصة عبر شبكة معقدة من الصناديق والشركات التي تتداخل إدارتها بين المناصب الرسمية والملكية الشخصية.

وأشار التقرير إلى أن أفراد العائلة يمتلكون عقارات ومشروعات في عشرات الدول، من القصور الفاخرة في باريس إلى الفنادق والموانئ في إفريقيا وآسيا، فضلًا عن حصص ضخمة في شركات عالمية مثل “سبايس إكس” و”ريهانا فنتي” وسلاسل الوجبات السريعة.
ويرى مراقبون أن هذا التشابك بين المال العام والخاص جعل من ثروة آل نهيان “نظامًا اقتصاديًا موازيًا”، يتيح للعائلة السيطرة على مفاصل الدولة واستثمار الموارد الوطنية في مشروعات تضمن بقاءها في قمة الهرم السياسي والمالي.

طحنون بن زايد.. الرجل الغامض الذي يدير إمبراطورية العائلة

ويبرز في قلب هذه الشبكة الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني ورئيس شركة “أبوظبي القابضة” (ADQ) وبنك أبوظبي الأول.
تصفه “بلومبيرغ” بأنه “الرجل الذي يملك أكثر مما يظهر”، فهو يتحكم في مفاتيح الاقتصاد الإماراتي، ويدير الثروة العائلية الأكبر في المنطقة، فيما يُعرف داخليًا بأنه “الوصي المالي” على إمبراطورية آل نهيان.

وعلى الرغم من أن طحنون يتجنب الأضواء ويحافظ على صورة رجل الدولة المنضبط، فإن دوره المحوري في نقل أصول ضخمة من ملكيات شخصية إلى صناديق سيادية أو مكاتب حكومية أثار تساؤلات حول ما إذا كانت تلك التحركات تهدف لحماية أموال العائلة أم لإعادة توزيع النفوذ داخلها.
وتشير بعض التقارير إلى أن نقل عقارات الشيخ خليفة عام 2016 تم بعلم طحنون وتنسيق مع محمد بن زايد، ما جعل أبناء خليفة يشعرون بأنهم جُرّدوا من إرث والدهم السياسي والاقتصادي في آن واحد.

“بنو فاطمة”.. تحالف الإخوة وصراع الورثة

يتكون جناح الحكم الحالي في الإمارات من ستة إخوة يُعرفون داخل القصر باسم “بني فاطمة”، نسبة إلى والدتهم فاطمة بنت مبارك الكتبي، وهم محمد، طحنون، هزاع، منصور، عبد الله، وحمدان.
ويُعد هذا التحالف العائلي مركز السلطة والنفوذ في الدولة منذ وفاة المؤسس زايد بن سلطان عام 2004، بينما تم تهميش أبناء الشيخ خليفة تدريجيا بعد إصابته بجلطة دماغية في 2014 أبعدته عن الحكم حتى وفاته في 2022.

وبحسب مراقبين، فإن النزاع الحالي يعكس تباينًا أعمق بين جناح محمد بن زايد الذي أحكم قبضته على الدولة، وجناح أبناء خليفة الذين يشعرون أن إرث والدهم السياسي والاقتصادي نُقل قسرا إلى منظومة جديدة تحت سيطرة بني فاطمة.
هذا الانقسام لا يقتصر على المال فقط، بل يمتد إلى الشرعية داخل العائلة، إذ يرى بعض المقربين أن ما يجري يمثل “إعادة هيكلة” للبيت الحاكم بوسائل مالية هادئة، لكنها تنطوي على صراع نفوذ مكتوم.

انعكاسات النزاع على صورة الإمارات الخارجية

يأتي هذا الخلاف في وقت تسعى فيه أبوظبي إلى ترويج نفسها كقوة استثمارية منضبطة ذات شفافية مالية عالمية، وهو ما يجعل أي نزاع علني حول الأصول العائلية تهديدًا لصورتها أمام الشركاء الدوليين.
فالقضية تمس مباشرة مؤسسات تُستخدم كأدوات دبلوماسية واقتصادية، مثل “مبادلة” و”أبوظبي القابضة” و”رويال غروب”، التي ترتبط باستثمارات في أوروبا وأمريكا وأفريقيا.

ويرى محللون أن التسريبات عن العقارات في باريس ولندن ليست مجرد مسألة عائلية، بل تعكس تصدعات داخلية في منظومة الحكم نفسها، خصوصا أن هذه الممتلكات تُستخدم أحيانا كقنوات لتمويل مشاريع خارجية مثيرة للجدل أو لدعم نفوذ سياسي في مناطق أخرى.
فكلما انكشف المزيد عن الثروة الشخصية للعائلة، زادت التساؤلات حول شرعية استخدام المال العام في خدمة المصالح الخاصة، وهو ما قد يثير حرجا دبلوماسيا للإمارات في المحافل الدولية.

خاتمة: المال يرسم خريطة السلطة

إن النزاع على عقارات بريطانيا وفرنسا ليس سوى وجه من وجوه صراع أوسع يدور في كواليس العائلة الحاكمة في الإمارات، بين ورثة زايد من جهة، ومنظومة محمد بن زايد من جهة أخرى.
فالمال في أبوظبي لم يعد مجرد وسيلة نفوذ، بل أصبح أداة لإعادة تشكيل موازين القوة داخل القصر، في دولة تحكمها شبكة من الإخوة والأبناء، وتغلفها مظاهر الرفاه والبذخ بينما تخفي صراعا مكتوما على الميراث والسلطة والنفوذ.

اقرأ أيضًا : الإمارات تموّل “فيلق إفريقيا” الروسي وتستخدمها قاعدةً لوجستية لحرب السودان