في تصعيد دبلوماسي جديد يعكس تعقيدات المشهد السوري والإقليمي، طالبت تركيا رسميًا بانسحاب “إسرائيل” من الأراضي السورية، مؤكدةً أن استمرار الغارات الإسرائيلية يعرقل جهود إرساء الاستقرار، ويحول “دولة الاحتلال” إلى أكبر تهديد لأمن الشرق الأوسط، بحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية التركية يوم الخميس.
أنقرة تتهم تل أبيب بتقويض الاستقرار الإقليمي
البيان التركي لم يكتفِ بالمطالبة بالانسحاب، بل وجّه اتهامات مباشرة لإسرائيل بأنها “مزعزعة للاستقرار، تغذي الفوضى والإرهاب، وتعمل على تقويض كل مسار نحو التهدئة في سوريا”. وأكدت الخارجية التركية أن استمرار السياسات التوسعية الإسرائيلية لا يخدم إلا تصاعد التوتر، موجهةً دعوة إلى المجتمع الدولي لتحمّل مسؤولياته في وقف الانتهاكات الإسرائيلية داخل سوريا.
قلق إسرائيلي من التقارب السوري التركي
الرد غير المباشر من الجانب الإسرائيلي لم يتأخر، حيث عبّرت مصادر أمنية عبر صحيفة “جيروزاليم بوست” عن خشية تل أبيب من إقامة قواعد عسكرية تركية على الأراضي السورية، معتبرة أن ذلك سيقوّض حرية التحرك الجوي الإسرائيلي، خاصة في ظل تعاون متزايد بين دمشق وأنقرة.
وذكرت المصادر أن هذا السيناريو يخضع لنقاشات جدية داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، في ظل تزايد احتمالات تموضع تركي دائم في شمال ووسط سوريا، ما قد يفرض خطوطًا حمراء جديدة على العمليات الإسرائيلية المعتادة ضد ما تسميه “التمدد الإيراني” في سوريا.
ردود فعل إسرائيلية: من التحذير إلى التصعيد
داخل الكنيست، جاءت ردود الفعل حادة. عضو لجنة العلاقات الخارجية والأمن، أوهاد طال، اعتبر أن تركيا تمثّل تهديدًا مباشرًا، داعيًا إلى إغلاق السفارة التركية في “إسرائيل” وتعزيز التحالفات مع كلٍّ من اليونان وقبرص كخطوة استراتيجية لاحتواء أنقرة.
في تغريدته عبر منصة “إكس”، وصف طال تركيا بـ”الدولة العدو”، في تصعيد نادر من نوعه يعكس حجم التوتر المتصاعد بين الجانبين، خاصة في ظل الخلافات المتراكمة بشأن الملف السوري، والدور التركي المتزايد في الشرق الأوسط.
رسائل إسرائيلية بالنار.. وغموض في الأفق
لا يخفى أن الضربات الجوية الإسرائيلية داخل سوريا تحمل رسائل سياسية وأمنية متعددة. ففي أواخر آذار/مارس الماضي، شنّت الطائرات الإسرائيلية غارة على قاعدة “تي فور” الجوية بريف حمص، في ما فُسّر على أنه تحذير مبكر لأي تغييرات محتملة في موازين القوى داخل سوريا، خصوصًا مع مؤشرات على عودة الدفء إلى العلاقات بين أنقرة ودمشق.
المجلس الأطلسي يُحذّر: إسرائيل تلعب بالنار جنوب سوريا
في تقرير حديث، حذّر “المجلس الأطلسي” من أن إسرائيل قد تكون بصدد ارتكاب خطأ استراتيجي في حساباتها بسوريا، خصوصًا جنوب البلاد. واتهم التقرير إسرائيل بمحاولة تقسيم سوريا عبر دعم النزعات الانفصالية، لا سيما في المناطق ذات الغالبية الدرزية، مشيرًا إلى أن هذه السياسة قد تقود إلى فوضى طويلة الأمد تُعزز من نفوذ إيران والجماعات المسلحة المختلفة.
وأبرز التقرير أيضًا خطابًا عدائيًا من حكومة نتنياهو تجاه الحكومة السورية، إذ وصفها بـ”الحكومة الإسلامية المدعومة من تركيا”، مطالبًا بإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب دمشق.
تحليل: بين صراع النفوذ وصراع البقاء
الصدام الجديد بين تركيا وإسرائيل في الملف السوري لا يُعدّ مفاجئًا بقدر ما يُظهر أن الصراع الإقليمي في سوريا دخل مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي “سباق التموضع”.
تركيا تسعى لإعادة بناء حضورها في الشمال السوري كجزء من تفاهمات أمنية مع روسيا وإيران، بينما تخشى إسرائيل أن يؤدي هذا التوسع إلى الحدّ من قدرتها على ضرب المواقع الإيرانية أو الجماعات الموالية لطهران، ما يفسّر تصعيدها الأخير.
أما دمشق، فهي في وضع “المستفيد الحذر”؛ إذ ترحّب بأي صراع بين خصومها على أراضيها طالما أنه لا يقلب موازين القوى ضدها.
هل نحن أمام صدام تركي-إسرائيلي مباشر؟
ورغم أن الصدام حتى اللحظة لا يتجاوز التصريحات والتكتيكات الميدانية المحدودة، إلا أن المشهد يبقى مفتوحًا على كافة الاحتمالات، خصوصًا إذا ما قررت أنقرة الانتقال من الخطاب السياسي إلى تنفيذ اتفاقيات عسكرية ميدانية مع دمشق.
في ظل هذا التوتر، يصبح السؤال الأهم: هل يتحمّل الإقليم مواجهة جديدة على الأرض السورية، أم أن القوى الدولية ستتدخل لكبح هذا الانزلاق؟
اقرأ أيضا: المقاطعة تطيح بكنتاكي وبيتزا هت في تركيا.. والرئيس التنفيذي لستاربكس يستعطف العرب