في خطوة تعبّر عن تصاعد القلق من كارثة إنسانية تزداد فظاعتها يومًا بعد يوم، دعت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” إلى حراك عالمي غداً الأحد، لمواجهة ما وصفته بـ”سياسة التجويع الممنهج” التي تمارسها إسرائيل بحق سكان قطاع غزة.
تأتي هذه الدعوة وسط تفاقم المأساة الإنسانية، واستمرار الإغلاق الإسرائيلي الكامل للمعابر منذ أكثر من أربعة أشهر، ما حوّل القطاع المحاصر إلى “سجن مفتوح” يعاني فيه الملايين من الجوع والعطش والموت البطيء.

نداء الغضب في وجه الاحتلال: دعوة لانتفاضة عالمية
في بيان رسمي أصدرته السبت، وجهت حركة حماس نداءً إلى الشعوب الحرة والأمة الإسلامية والعربية لإطلاق حراك عالمي غداً الأحد، نصرة لسكان قطاع غزة المحاصرين. وطالبت الحركة بجعل هذا اليوم وما بعده “أيامًا عالمية لفضح وإدانة جرائم الإبادة والتجويع الصهيونية ضد الأبرياء والمدنيين في غزة من الأطفال والنساء والمرضى”.
البيان حمل لغة تحريضية واضحة باتجاه الشارع الدولي: “لتكن صرخة غضب عارمة في وجه الاحتلال، وضد سياسة التجويع”، ودعت حماس إلى كافة أشكال الضغط: مسيرات جماهيرية حاشدة، فعاليات طلابية، احتجاجات برلمانية، إضرابات عمالية، وحملات تضامن إلكترونية، بهدف فضح الجرائم المرتكبة بحق أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون اليوم على حافة الموت.
تأتي هذه الدعوة في وقت يتراجع فيه التفاعل الشعبي العربي والدولي مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، في ظل تراكم الأزمات الإقليمية والدولية، وهو ما دفع حماس إلى محاولة إعادة تسليط الضوء على مأساة غزة عبر أدوات الحشد الجماهيري، باعتبارها إحدى نقاط القوة الأخيرة المتبقية لمواجهة “آلة الإبادة الجماعية” الإسرائيلية.
القطاع يختنق.. والمجاعة تفتك بأطفال غزة
التحذيرات الصادرة من المؤسسات الصحية والحقوقية تؤكد أن القطاع دخل فعلياً في مرحلة المجاعة، وليس فقط على أعتابها. وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أطلقت السبت نداءً إنسانيًا جديدًا، قالت فيه إن القطاع “يمر بحالة مجاعة فعلية”، وسط نقص حاد في المواد الغذائية الأساسية وتفشي سوء التغذية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.
ووفق بيان الوزارة، هناك ارتفاع ملحوظ في الوفيات الناجمة عن الجوع، في ظل عجز تام في الإمكانيات الطبية لعلاج ضحايا سوء التغذية، الذين لا يجدون لا دواءً ولا غذاءً ولا حتى مياهًا صالحة للشرب.
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، من جهته، أكد الجمعة أن عدد الأطفال الذين توفوا بسبب سوء التغذية ارتفع إلى 69 منذ السابع من أكتوبر، بينما بلغ عدد من ماتوا بسبب نقص الدواء والغذاء إلى 620 شخصاً، في مؤشر على أن حرب التجويع لم تعد تهديدًا، بل واقعًا قاتلًا.
الأرقام المعلنة تُظهر بوضوح أن سياسة التجويع لم تأت صدفة أو كعرض جانبي للحرب، بل تُستخدم كسلاح متعمد لإخضاع سكان القطاع وتركيعهم، في تجاهل تام لاتفاقيات جنيف ومبادئ القانون الدولي الإنساني، التي تُحرّم استخدام التجويع كسلاح حرب.
التواطؤ الدولي وتجاهل أوامر العدالة
منذ 7 أكتوبر 2023، تنفذ إسرائيل حملة عسكرية وُصفت بأنها “الإبادة الجماعية الأوسع في القرن”، تشمل القصف والتدمير والتهجير القسري والتجويع، وسط دعم أمريكي غير مشروط، وصمت دولي يصل حدّ التواطؤ.
محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت في وقت سابق أوامر بوقف جرائم الإبادة في غزة، لكن تل أبيب ضربت بتلك القرارات عرض الحائط، مستندة إلى مظلة الحماية الغربية، خاصة الأمريكية، التي تضمن لها الإفلات من العقاب.
وفي الوقت الذي تُغلق فيه إسرائيل جميع المعابر منذ مارس الماضي، تمنع دخول أي مساعدات غذائية أو طبية إلى القطاع، تاركة سكانه يموتون ببطء. الأمم المتحدة نفسها لم تجد سوى كلمات الإدانة دون أفعال، وسط غياب الإرادة الدولية لفرض وقف فوري للعدوان أو السماح بوصول المساعدات الإنسانية.
الحرب التي أزهقت حتى الآن أرواح أكثر من 198 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، وتسببت في فقدان أكثر من 9 آلاف آخرين، تُظهر أن الاحتلال لا يكتفي بتدمير البنية التحتية، بل يستهدف مقومات الحياة اليومية للسكان، تمهيداً لمشروع “الترحيل القسري” الذي تحدث عنه أكثر من مسؤول إسرائيلي في الأشهر الأخيرة.
غزة تقاوم بالماء والملح.. والعالم مدعو للغضب
وسط هذا المشهد المأساوي، يجد الفلسطينيون في غزة أنفسهم مضطرين للتأقلم مع حياة على حافة الموت. كثير من العائلات تلجأ اليوم إلى الماء والملح، بعد أن انعدمت سبل الغذاء. ورغم هذا، لا تزال غزة تقاوم، بأمعائها الخاوية، وتدعو العالم ألا يصمت أكثر.
دعوة حماس للحراك العالمي ليست فقط محاولة لتحريك الشارع، بل رسالة بأن المقاومة الشعبية العالمية لا تزال سلاحًا في وجه الاحتلال، يمكن أن يشكل ضغطًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يُستهان به.
وإذ تصرخ غزة ألماً، فإن صداها قد يكون غداً أقوى في عواصم العالم، إذا ما استجاب “أحرار الأرض” لنداء الضمير، ووقفوا في وجه الإبادة والتجويع، ولو بهتاف، أو لافتة، أو حتى منشور.
اقرأ أيضًا : القسام تضرب ناقلة “نمر” شمال خان يونس.. براعة المقاومة تربك الاحتلال