في مشهد جديد يعكس عمق الأزمة الاقتصادية المصرية، ويعيد تسليط الضوء على سياسة “بيع الأصول تحت ضغط الديون”، كشفت صفقة استحواذ جديدة بين السعودية والإمارات عن خسارة مالية ضخمة تحملتها مصر خلال 3 سنوات فقط، بينما حصدت الصناديق الخليجية أرباحاً فلكية من أصول استراتيجية كان يفترض أن تُدار لخدمة الاقتصاد الوطني لا لخدمة المستثمر الأجنبي.
فقد أعلنت الشركة “السعودية المصرية للاستثمار” المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، بيع حصتها البالغة 19.328% في شركة “الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع” إلى مجموعة “موانئ أبوظبي” مقابل 13.24 مليار جنيه (278 مليون دولار). وبإتمام الصفقة أصبحت “موانئ أبوظبي” تمتلك أكثر من 51% من الشركة المصرية عبر استثمارات مباشرة وغير مباشرة، لتصبح اللاعب المسيطر على قطاع الموانئ والنقل البحري والخدمات اللوجستية.

مكاسب هائلة للمستثمرين.. وخسارة فادحة لمصر
أبرز ما كشفته الصفقة هو الفارق الضخم بين سعر الشراء في 2022 وسعر البيع في 2025؛ إذ حصلت “السعودية المصرية للاستثمار” على الحصة عام 2022 مقابل 126 مليون دولار فقط، بينما باعتها اليوم مقابل نحو 363 مليون دولار.
أي أن المستثمر السعودي حقق:
– أرباحاً قدرها 236 مليون دولار في 3 سنوات.
– مكسباً بالجنيه حوالي 10.1 مليارات جنيه.
وفي المقابل، فإن هذه الأرباح تعادل خسارة مصر بالقيمة نفسها، وفق تقييمات اقتصاديين يرون أن البيع تم في 2022 بأقل كثيراً من القيمة الحقيقية وبما لا يعكس أداء القطاع ولا ربحية الشركة.
بلغة الأرقام: اشترى الصندوق السعودي الحصة بـ 3.1 مليارات جنيه، وباعها بـ 13.2 مليار جنيه.
الفرق الضخم يعكس –وفق خبراء– إهداراً للمال العام، وسوء تقدير كامل لقيمة الشركة عند البيع الأول.
ورغم المكاسب السعودية، فإن المستفيد الأكبر استراتيجياً هو الإمارات التي أصبحت تمتلك فعلياً مفاتيح قطاع الموانئ في مصر بعد سلسلة استحواذات امتدت من الإسكندرية والدخيلة وحتى السخنة والغردقة وشرم الشيخ وبورسعيد.
تغوّل موانئ أبوظبي.. وامتداد النفوذ الإماراتي على ممرات مصر البحرية
صفقة الاستحواذ الأخيرة لم تكن مجرد “استثمار”، بل حلقة جديدة في سلسلة توسعات جعلت “موانئ أبوظبي” تمتلك أو تدير مساحات واسعة من أهم الموانئ المصرية. الشركة الإماراتية باتت اليوم متحكمة فعلياً في:
- ميناء الإسكندرية
- ميناء الدخيلة
- ميناء السخنة
- الغردقة وسفاجا وشرم الشيخ
- منطقة شرق بورسعيد الصناعية واللوجستية
- امتيازات تشغيل في دمياط والعريش
- خطط توسع في رأس الحكمة والساحل الشمالي
وبذلك، أصبحت الإمارات ممسكة بواحد من أخطر القطاعات المتصلة بالأمن القومي، وهو قطاع الموانئ والممرات البحرية، الممتد بين مدخلي قناة السويس الشمالي والجنوبي.
وتضم قائمة سيطرة الإمارات موانئ في السعودية والأردن والسودان وجيبوتي أيضاً، ما يمنح أبوظبي نفوذاً ضخماً على سلاسل الإمداد في البحرين الأحمر والمتوسط.
صفقة تكشف إدارة فاشلة وسعر بيع غير عادل
الخبير الاقتصادي والاستراتيجي د. علاء الدين سعفان وصف الصفقة بأنها “إدانة مزدوجة للسياسة الاقتصادية المصرية”. ويقول:
“بيع الإسكندرية للحاويات في 2022 جاء تحت ضغط مستحقات سعودية لم تستطع مصر الوفاء بها. التقييم وقتها كان أقل بكثير من القيمة الحقيقية، ما سمح للمستثمرين بتحقيق أرباح غير منطقية خلال 3 سنوات فقط”.
وأضاف:
“الأرباح الفلكية تؤكد أن الحكومة لا تعرف قيمة أصولها، وأن بيع الأصول لا يمثل استثماراً وإنما إهداراً للأموال العامة”.
ويرى سعفان أن “المستثمرين الذين كانوا يتعلمون على أيدي المصريين باتوا اليوم يحققون أرباحاً قياسية من أصول لم تستطع الدولة إدارتها”، مؤكداً أن ذلك دليل على عجز الإدارة الوطنية وانعدام كفاءة من يديرون الملف الاقتصادي.
خطر استراتيجي على الأمن القومي
يرى الخبراء أن أخطر ما كشفته الصفقة هو تحول الحصة من صندوق سعودي إلى “موانئ أبوظبي”، وهي شركة توسعية ذات حضور ضخم في الممرات البحرية بالمنطقة.
ويقول د. سعفان:
“كان الأولى بالصندوق السيادي المصري أن يسترد الحصة بدلاً من انتقالها للإمارات. ما حدث يمثل خطراً على الأمن القومي، خاصة مع سيطرة أبوظبي على قطاعات الموانئ والاتصالات والمستشفيات والتعليم”.
ويضيف أن استمرار بيع الأصول لسداد الديون “يؤدي إلى تآكل الثروة الوطنية وزيادة التبعية السياسية والاقتصادية”، محذراً من أن مصر تفقد سيادتها على القطاعات الحيوية الواحد تلو الآخر.
مصر تبيع.. والخليج يربح
منذ إصدار “وثيقة ملكية الدولة” عام 2022، باعت القاهرة حصصاً في 17 شركة بقيمة 5.7 مليارات دولار، بينما حققت الشركات الخليجية أرباحاً خلال 3 سنوات تتجاوز ما حصلت عليه مصر بالكامل من بيع هذه الشركات.
وتشير الأرقام إلى أن:
-
صندوق أبوظبي (ADQ) استحوذ على 8 شركات بـ2.6 مليار دولار
-
صندوق الاستثمارات العامة السعودي اشترى 4 شركات بـ1.3 مليار دولار
- شركات إماراتية أخرى استحوذت على حصص في “موبكو” و“أبوقير للأسمدة” و“إي فاينانس” وغيرها، محققة قفزات ضخمة في الأرباح بعد الشراء
في حين واصلت مصر في 2024 و2025 طرح شركات جديدة للبيع، بينها بنوك وشركات بترول ودواء وغذاء.
خاتمة: مصر ضاعت في عهد السيسي بسبب الطمع الإماراتي–السعودي
تكشف صفقة بيع حصة “الإسكندرية للحاويات” أن الأصول المصرية تتحول في عهد السيسي إلى مصدر أرباح هائلة للدول الخليجية، بينما تتكبد مصر خسائر فادحة.
فالبيع المستمر تحت ضغط الديون، والتقييم الخاطئ لقيمة الأصول، وسيطرة الإمارات والسعودية على قطاعات حيوية، كلها عوامل دفعت اقتصاديين لتأكيد أن:
مصر تضيع اقتصاديًا وسياديًا بسبب الطمع الإماراتي–السعودي، وبسبب إدارة مصرية عاجزة فقدت القدرة على حماية ثروات البلد.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتواصل: 23 شهيدًا وأنباء عن اغتيال قيادي بالقسام