في جريمة جديدة تضاف إلى سجل المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أعلنت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” استشهاد عضو مكتبها السياسي والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني، صلاح البردويل، إثر غارة جوية استهدفت خيمته التي كان يعتكف فيها مع عائلته في منطقة المواصي غرب خان يونس، جنوب القطاع، أثناء قيامه الليل في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك.
ليست هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها آلة القتل الإسرائيلية شخصيات سياسية وميدانية فلسطينية، لكن استشهاد البردويل جاء بطابع روحي خاص، حيث اغتيل بينما كان قائماً لله في ليلة من أقدس ليالي شهر رمضان.
وبينما كان يتهجد في خيمة النزوح مع زوجته، هرباً من قصف سابق لمنزله، استهدفته الطائرات الحربية بصاروخ محكم، في جريمة تقول عنها حماس إنها “عملية اغتيال صهيونية غادرة”، استهدفت قائداً كبيراً لا في ميدان المعركة فقط، بل في ساحة الكلمة والموقف السياسي أيضاً.
استشهاد البردويل لم يكن استهدافاً شخصياً فحسب، بل هو إعلان واضح من الاحتلال عن استمراره في سياسة تصفية العقول والقيادات، لإضعاف البنية السياسية والفكرية للمقاومة، كما أنه رسالة دموية تستهدف كسر الروح المعنوية المتبقية في نفوس الفلسطينيين، خصوصاً في شهرٍ له رمزيته الروحية والجهادية، ويكتسب فيه الصبر والمقاومة بعداً إضافياً.

صلاح البردويل.. سيرة قائد جمع بين الميدان والسياسة
الشهيد صلاح البردويل لم يكن مجرد شخصية تنظيمية داخل حركة حماس، بل شكّل أحد أعمدة خطابها السياسي والإعلامي، إذ عرف بمداخلاته القوية في وسائل الإعلام، وتحليلاته الحادة، التي لطالما واجه بها الآلة الدعائية الإسرائيلية والداعمين الدوليين للاحتلال.
حمل لقب “صوت العقل في زمن الحرب”، لما امتلكه من توازن بين صلابة الموقف وإدراكه لضرورات المرحلة.
كان البردويل نائباً عن مدينة خان يونس في المجلس التشريعي الفلسطيني، وعضواً فاعلاً في المكتب السياسي لحماس، وشارك في صياغة كثير من مواقف الحركة الداخلية والخارجية، إضافةً إلى إشرافه على العديد من الملفات المجتمعية والتنظيمية في جنوب القطاع.
وفي سنوات الحصار، عُرف بمبادراته الاجتماعية وسعيه الحثيث إلى رأب الصدع بين الفصائل، فضلاً عن كونه أحد أبرز وجوه المقاومة السياسية التي ظلت ثابتة رغم محاولات التصفية والتهديد المستمرة.
اغتيال البردويل مع زوجته لا يُمثّل فقط خسارة للحركة، بل خسارة للمشهد الوطني الفلسطيني، في وقتٍ تحتاج فيه القضية إلى من يقودها نحو خطاب موحد، قادر على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية التي تتكالب على غزة وفلسطين.
دماء القادة وقود للمقاومة ومؤشر لتصعيد دموي
رد حركة حماس على استشهاد البردويل كان واضحاً، حيث أكدت أن “دماء الشهداء لن تذهب هدراً، بل ستكون وقوداً لمعركة التحرير والعودة”، وأن “كل شهيد يرتقي يجعل جذوة المقاومة أكثر اشتعالاً حتى زوال الاحتلال”.
وهو ما يعكس تمسّك الحركة بخيار المقاومة المسلحة رغم الكلفة الباهظة التي يدفعها القطاع منذ أكثر من 5 أشهر من الإبادة المستمرة.
يأتي استشهاد البردويل في سياق تصعيد دموي واسع تشنه قوات الاحتلال، إذ أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن عدد الشهداء منذ فجر الثلاثاء وحتى السبت فقط بلغ 634، أغلبهم من النساء والأطفال، فضلاً عن إصابة 1172 آخرين.
فيما تواصلت الغارات الجوية والقصف المدفعي على شمال وجنوب القطاع، مستهدفة المنازل والخيام، ونازحين هربوا من جحيم الحرب إلى مناطق اعتقدوا أنها أكثر أماناً.
وتشير مصادر ميدانية إلى أن الغارات الأخيرة تمت بتنسيق كامل مع الإدارة الأميركية، في ظل غياب أي موقف دولي حازم يردع هذه الجرائم المتكررة، وهو ما يعطي لإسرائيل غطاءً سياسياً لارتكاب المزيد من المجازر دون خشية من محاسبة.
رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أعلن سابقاً أن هدفه “القضاء على حماس”، لكنه في الواقع يقضي على كل ما هو فلسطيني، من البشر إلى البنية التحتية، ومن القيادات إلى أطفال الخيام.
وتجاهلَ بشكل متعمد التزام حماس الكامل باتفاق وقف إطلاق النار، بينما هو يرضخ لضغوط المتطرفين في حكومته ويأبى تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق.
استشهاد البردويل شهادة جديدة على صمود غزة
رحل صلاح البردويل شهيداً في ليلة مباركة، وهو قائم لله، في خيمته البسيطة، إلى جانب زوجته، بعدما أدّى دوره السياسي والمجتمعي بصدق. رحل لكنه ترك وصيته مكتوبة بدمه: أن لا صمت في وجه الاحتلال، ولا تراجع عن خيار المقاومة.
إن اغتيال القيادات في لحظات الصفاء الروحي لا يُضعف الشعوب الحرة، بل يعيد ترتيب بوصلتها نحو القضية المركزية. وستظل دماء البردويل وغيرها من الشهداء، شاهدة على عجز العدو عن كسر إرادة غزة، بل دليلاً على أن النصر لا تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه المبادئ، والثبات، وقيام الليل في الخيام.
اقرأ أيضا : غزة تحت القصف والمجاعة.. والأنظمة العربية في سبات عميق