منذ فجر الثلاثاء الماضي، أعادت قوات الاحتلال الإسرائيلي مشهد الموت والدمار إلى شوارع وأزقة قطاع غزة، عبر استئناف غاراتها الدامية التي لم تهدأ ليلاً ولا نهارًا. 

وفي أحدث جرائمها، ارتكبت طائرات الاحتلال مجزرة جديدة بحق المدنيين العزّل، راح ضحيتها خمسة أطفال في حي التفاح بمدينة غزة، إثر قصف وحشي استهدف منزلاً مأهولاً بالسكان، في مشهد يعكس إصرار الاحتلال على استهداف العائلات وتدمير كل مظاهر الحياة.

لم يقتصر العدوان على غزة المدينة، بل امتد ليشمل مناطق متفرقة من القطاع، حيث سُجّلت إصابات عديدة في مخيم النصيرات وسط القطاع، جراء قصف جوي ومدفعي متواصل طيلة ساعات الليل. 

ورغم الإدانات الدولية الخجولة، لا يزال الاحتلال يتمادى في ارتكاب جرائم حرب، مدفوعًا بصمت دولي وتواطؤ عربي، وكأن أرواح الفلسطينيين بلا قيمة تُذكر.

هذه الغارات تأتي بعد انتهاء هدنة استمرت 42 يومًا، بموجب اتفاق تبادل أسرى برعاية مصر وقطر وبدعم أمريكي، غير أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو تنصل من الالتزام بالمرحلة الثانية، ورفض تنفيذ بنود الاتفاق، لا سيما تلك المتعلقة بوقف الحرب والانسحاب الكامل من غزة، في موقف يعكس استخفافًا بالمجتمع الدولي، وتحديًا سافرًا لأي مساعٍ دبلوماسية.

الموت عطشًا وجوعًا وقصفا

وفيما تستمر آلة القتل الإسرائيلية في حصد الأرواح، يواجه سكان قطاع غزة خطرًا لا يقل فتكًا عن القصف: المجاعة والعطش. فلليوم الحادي والعشرين على التوالي، تواصل قوات الاحتلال إغلاق المعابر بشكل كامل، ومنع دخول الغذاء والدواء والوقود، وحتى المياه النظيفة، في محاولة لخنق ما تبقى من حياة في هذا الشريط الساحلي المحاصر.

الصور الواردة من القطاع تنذر بكارثة إنسانية غير مسبوقة؛ أطفال جائعون، مرضى يموتون في المستشفيات بسبب انعدام الدواء والكهرباء، وأمهات يقفين في طوابير طويلة للحصول على قطرة ماء أو رغيف خبز.

هذه ليست مجرد معاناة إنسانية، بل جريمة مكتملة الأركان تُرتكب مع سبق الإصرار والترصد، تحت سمع وبصر العالم المتحضر.

في هذه الأثناء، دعت كتائب القسام – الذراع العسكري لحركة حماس – إلى دعمها ماليًا عبر حملة بعنوان “شارك بمعركة الإعداد”، معتبرة أن دعم المقاومة واجب شرعي وأخلاقي في ظل هذه المعركة المصيرية.

وفي بيان نُشر عبر قناتها على “تليغرام”، أكدت القسام أن المعركة دفاع عن مسرى النبي ﷺ وعن كرامة الأمة الإسلامية جمعاء، داعية الأمة إلى الوقوف خلف المقاومة لا بالكلام فقط، بل بالفعل والدعم المالي والمعنوي.

خذلان عربي مدوٍّ: خيانة السيسي وحلفائه

وفي خضم هذا المشهد الدموي، يُسجل الموقف العربي الرسمي أسوأ فصول التخاذل، حيث يلتزم معظم الحكام العرب صمتًا مريبًا إزاء المجازر الجارية في غزة، بل إن بعضهم – وعلى رأسهم عبد الفتاح السيسي – يلعب دور الحارس الأمين لحصار غزة، عبر إبقاء معبر رفح مغلقًا أمام الجرحى والمساعدات، وتجاهل نداءات الاستغاثة من داخل القطاع.

ورغم أن مصر تتصدر قائمة الوسطاء في الملف الفلسطيني، إلا أن النظام المصري لا يزال يمارس سياسة الانتظار والمساومة، ويقدّم مصالحه الإقليمية وتحالفاته مع الاحتلال على حساب الدم الفلسطيني. 

هذا الصمت لا يعبّر فقط عن ضعف، بل عن تواطؤ مع الاحتلال، خاصة أن أجهزة الإعلام الرسمية في تلك الدول تواصل ترويج الرواية الإسرائيلية، وتغض الطرف عن المجازر اليومية التي ترتكب بحق الأطفال والنساء.

الخذلان لا يقتصر على مصر وحدها، بل يشمل دولًا عدة تهافتت على التطبيع مع العدو، ثم صمتت أمام جرائمه، وكأنّ تطبيعهم كان تفويضًا مفتوحًا للاحتلال ليواصل إبادة الفلسطينيين دون مساءلة.

غزة تصرخ.. هل من مجيب؟

وسط هذا الجحيم، تُبقي غزة جذوة الصمود مشتعلة، رافضة الانكسار رغم الجراح والمآسي. ومن تحت الركام، يخرج صوتها عاليًا ليقول إن الحق لا يموت ما دام خلفه من يدافع عنه.

لكن السؤال المؤلم الذي يبقى مطروحًا: إلى متى سيظل العالم يتفرج؟ وإلى متى ستبقى الأنظمة العربية صامتة بينما تُذبح غزة كل يوم؟

إن معركة غزة اليوم ليست معركة حدود أو فصائل، بل معركة كرامة أمة بأكملها، وعلى الشعوب أن تُسمع صوتها، وعلى الأحرار أن يفضحوا المتواطئين، فالتاريخ لا يرحم من خانوا قضيتهم وتخلوا عن شرفهم في زمن الخذلان.

اقرأ أيضًا : فضيحة السلاح مقابل الرشوة.. كيف كشف 118 ترخيصاً مزوراً شبكة فساد داخل وزارة الداخلية المصرية؟