على امتداد عامين من الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، لم تكن الكاميرا أقل خطرًا من البندقية، ولا الميكروفون أبعد عن خط النار. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تحوّل الصحفيون الفلسطينيون إلى أهداف مباشرة لآلة القتل الإسرائيلية في واحدة من أبشع الجرائم بحق حرية الصحافة في التاريخ الحديث.

وبحسب بيانات المكتب الإعلامي الحكومي ونقابة الصحفيين الفلسطينيين، بلغ عدد الصحفيين الذين استُشهدوا في غزة 254 صحفيًا وصحفية، في حصيلة غير مسبوقة عالميًا، بينهم 27 امرأة و433 مصابًا و48 معتقلاً خلال أدائهم واجبهم المهني. أرقام صادمة تكشف أن الاحتلال لا يخوض حربًا ضد حركة أو فصيل، بل ضد الحقيقة ذاتها.

استهداف الحقيقة وتدمير المؤسسات الإعلامية

تؤكد البيانات الرسمية الفلسطينية أن استهداف الصحافة لم يكن عرضيًا، بل جزءًا من سياسة ممنهجة تهدف إلى إسكات كل صوتٍ يوثّق جرائم الإبادة. فقد دمّر الاحتلال 12 مؤسسة صحفية ورقية و23 رقمية و11 إذاعة و16 قناة فضائية، إضافة إلى 5 مطابع كبرى و22 مطبعة صغيرة و53 منزلًا لصحفيين.

ووفقًا لتقديرات النقابة، بلغت الخسائر المادية للقطاع الإعلامي أكثر من 800 مليون دولار، فيما تواصل 143 مؤسسة إعلامية عملها رغم القصف والتجويع والنزوح، في مشهد يعكس إصرار الصحفيين على أداء رسالتهم رغم موت الزملاء ودمار المكاتب وانقطاع الكهرباء والإنترنت.

ولم تسلم حتى المؤسسات الدولية من الاستهداف، إذ تعرّضت مكاتب قناة الجزيرة لغارات متكررة، واستُشهد نحو 11 صحفيًا ومصورًا من طاقمها في ضربات مباشرة أثناء تغطيتهم الميدانية. كما طالت القنابل الإسرائيلية مراسلي وكالات عالمية مثل “رويترز” و”فرانس برس”، في رسالة واضحة مفادها أن لا أحد في مأمن حين يروي ما يحدث في غزة.

القتل الممنهج وصمت العالم

منظمة “مراسلون بلا حدود” أكدت أن القوات الإسرائيلية “تعمدت إطلاق النار على الصحفيين رغم ارتدائهم سترات الصحافة المميزة”، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب بموجب اتفاقيات جنيف. أما اللجنة الدولية لحماية الصحفيين، فوصفت حرب غزة بأنها الأكثر دموية في تاريخ العمل الصحفي، متجاوزة حصيلة قتلى الصحفيين في الحربين العالميتين وفيتنام والعراق مجتمعة.

وقالت المقرّرة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، إن الاحتلال “قتل في غزة عددًا من الصحفيين يفوق مجموع من قُتلوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية”، مؤكدة أن الاستهداف ممنهج ويهدف لطمس الأدلة على الجرائم ضد المدنيين.

ورغم فداحة الأرقام، اكتفى المجتمع الدولي بالصمت أو بيانات “القلق المعتادة”، فيما واصلت الولايات المتحدة والدول الأوروبية دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل، متجاهلة أن من بين الضحايا صحفيين يحملون جنسيات غربية.

هذا الصمت الدولي المريب منح الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة جرائمه ضد الصحافة، في خرقٍ واضحٍ للمادة (79) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف التي تنص على حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة.

منع الشهود وإقصاء الحقيقة

منذ الأيام الأولى للحرب، منعت إسرائيل دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة، وسمحت فقط لوسائل إعلام ترافق جيشها في مناطق محددة، في محاولة لفرض رواية أحادية تصوّر العدوان على أنه “دفاع عن النفس”.

ونتيجة لذلك، أصبح الصحفيون الفلسطينيون هم المصدر الوحيد للعالم عمّا يجري في القطاع، يعملون وسط الركام والجوع والخطر، يوثقون بدمهم المجازر والمقابر الجماعية.

تقرير مشترك صادر عن “مراسلون بلا حدود” ومنظمة “أفاز” حذّر من أن “بهذا المعدل من القتل، قد لا يتبقى قريبًا أي صحفي في غزة لتغطية أخبارها”، معتبرًا أن ما يجري هو “إحدى أوسع وأبشع الجرائم ضد حرية الإعلام في التاريخ الحديث”.

ومع كل قصف جديد، تفقد غزة صوتًا من أصواتها الحرة. لكنّ الصحفيين الذين بقوا على قيد الحياة يواصلون نقل المأساة من بين الأنقاض، حاملين الكاميرات بدل البنادق، والذاكرة بدل الرصاص.

خاتمة: بين العدسة والضمير

بعد عامين من القتل والتدمير، لم تترك إسرائيل حجرًا ولا بشرًا في غزة إلا استهدفته، ومع ذلك، فشلت في إسكات الحقيقة. فكل عدسة كانت تسقط، تفتح عيونًا أخرى، وكل قلم يُكسر، يكتب دم جديد على الجدران.

إن استشهاد 254 صحفيًا ليس مجرد رقم في سجل الإبادة، بل وصمة عار على جبين العالم الذي تواطأ بصمته، وترك حَمَلة الحقيقة وحدهم في مواجهة آلة القتل.

ورغم الجوع والبرد والنزوح، لا يزال الصحفيون الفلسطينيون يروون للعالم ما لا يريد أن يسمعه: أن في غزة صحافة لا تموت، وأن الحقيقة -مهما أُحرقت شاشاتها- ستبقى آخر ما يُقصف في هذه الحرب.

اقرأ أيضًا : نائبة إيطالية تفضح وحشية الاحتلال: “هذا ما فعلته إسرائيل بنا في عرض البحر”