بدأت ثلاث فرق عسكرية إسرائيلية تابعة لجيش الاحتلال الانسحاب تدريجياً من مدينة غزة ومخيمات اللاجئين في ضواحيها، في خطوة وصفتها هيئة البث الإسرائيلية الرسمية بأنها “البدء الفعلي لتطبيق اتفاق المرحلة الأولى من خطة وقف الحرب وتبادل الأسرى”، التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب فجر الخميس.

ويأتي الانسحاب بعد نحو عامين من حربٍ وُصفت بأنها “الأعنف والأكثر دموية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي”، خلّفت أكثر من 67 ألف شهيد فلسطيني وقرابة 170 ألف جريح، أغلبهم من النساء والأطفال، في ظل تدمير ممنهج للبنية التحتية وحصار خانق أدى إلى مجاعة أودت بحياة المئات.

المشهد الميداني | انسحاب تدريجي نحو “الخط الأصفر”

بحسب هيئة البث العبرية، فإن الفرق الثلاث التي كانت تقاتل داخل مدينة غزة بدأت إجلاء قواتها خلال الساعات الماضية، في إطار خطة إسرائيلية لإعادة الانتشار تمهيداً لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي يخشى من “احتكاك مع الفلسطينيين الذين سيحاولون العودة شمالاً”، لذلك فإن القوات تستعد لمغادرة المدينة والتموضع عند ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” — وهو خط الانسحاب الأول المنصوص عليه في خطة ترامب للسلام.

وأوضح مصدر عسكري لقناة “كان” أن الانسحاب سيتم على مراحل تمتد لـ24 ساعة في مرحلتها الأولى، يتبعها تموضع مؤقت في المناطق الوسطى والجنوبية من القطاع، استعداداً لـ”إعادة هيكلة خطوط الدفاع” وتأمين حدود جديدة مع المستوطنات المتاخمة للقطاع.

ويؤكد هذا التطور أن الجيش الإسرائيلي فقد السيطرة الفعلية على مساحات واسعة من مدينة غزة، رغم الدمار الهائل الذي خلّفه قصفه العشوائي. كما أن هذا الانسحاب يعكس إدراك المؤسسة العسكرية لاستحالة الحسم الميداني، بعد فشلها في القضاء على المقاومة رغم استخدام كل أشكال القوة الجوية والبرية على مدى عامين كاملين.

اتفاق وقف إطلاق النار | خطوة اضطرارية وليست انتصاراً

في واشنطن، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) توصّلتا إلى “المرحلة الأولى” من خطة السلام الخاصة بغزة، وتشمل وقفاً لإطلاق النار وتبادلاً للأسرى، مع انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية إلى خطوط متفق عليها.

ويرى محللون أن هذا الاتفاق ليس تتويجاً لانتصار سياسي لإسرائيل، بل نتيجة مباشرة لصمود المقاومة الفلسطينية التي فرضت على تل أبيب معادلة جديدة عنوانها “لا أمن بدون انسحاب ولا تبادل بدون هدنة”.

وفي تل أبيب، تستعد الحكومة الإسرائيلية لعقد جلسة طارئة للمصادقة على الاتفاق، فيما نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصادر في مكتب نتنياهو أن الانسحاب من غزة “لا يعني نهاية العمليات العسكرية بالكامل”، بل هو “إعادة تموضع تكتيكي” استعداداً لأي خرق محتمل للاتفاق من جانب حماس.

لكنّ محللين إسرائيليين، بينهم عاموس هرئيل، أشاروا إلى أن الجيش يعاني من “إرهاق ميداني غير مسبوق”، وأن الانسحاب يُعدّ خطوة اضطرارية لتخفيف الضغط الداخلي، خصوصاً مع تصاعد الاحتجاجات في إسرائيل للمطالبة بعودة الأسرى وإنهاء الحرب التي أرهقت الاقتصاد والمجتمع.

صمود المقاومة | المعادلة انقلبت على الاحتلال

على مدار عامين، فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية رغم دمارها الشامل. فالمقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام وسرايا القدس، أعادت التموضع، واستمرت في إطلاق الصواريخ، ونفذت عمليات نوعية داخل خطوط الاشتباك، ما أثبت قدرتها على الصمود والردع رغم الحصار.

وبينما كانت تل أبيب تراهن على استنزاف الفصائل، أثبتت الوقائع الميدانية أن المقاومة تحوّلت من الدفاع إلى المبادرة. وقد دفعت هذه القدرة الولايات المتحدة والوسطاء إلى تكثيف ضغوطهم على إسرائيل للقبول بخطة وقف النار بعد فشل كل العمليات البرية في تحقيق أهدافها.

مصادر سياسية فلسطينية رأت أن الانسحاب الإسرائيلي يمثل “اعترافاً ضمنياً بالهزيمة”، وأن ما تحقق على الأرض هو “نصر استراتيجي للمقاومة التي استطاعت أن تفرض شروطها رغم الكلفة الإنسانية الباهظة”. وأضافت أن “الخط الأصفر” الذي انسحب إليه الجيش يرمز عملياً إلى تراجع الاحتلال عن هدفه بإعادة احتلال غزة بالكامل.

خاتمة | ما بعد الخط الأصفر

مع بدء الانسحاب الإسرائيلي نحو الخط الأصفر، تدخل الحرب على غزة مرحلة جديدة تتّسم بالترقب والحذر. فبينما تسعى حكومة نتنياهو إلى تسويق الانسحاب كـ”إجراء تكتيكي”، يدرك الإسرائيليون قبل غيرهم أن صمود المقاومة أفشل أهداف الحرب، وأن اتفاق ترامب لم يكن ليولد لولا الضغط الميداني الذي فرضه الفلسطينيون.

ومع ذلك، يبقى التساؤل الأبرز: هل سيُترجم وقف إطلاق النار إلى نهاية فعلية للحرب، أم أنه مجرّد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من الصراع؟

الإجابة، كما تشير تجارب السنوات الماضية، تعتمد على ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم بخطوط الاتفاق وتسمح بعودة النازحين وإعادة إعمار القطاع، أم أنها ستعيد الكرة بسياسة “الانسحاب التكتيكي” التي تنتهي دوماً إلى حرب جديدة.

لكن المؤكد أن غزة — رغم جراحها العميقة — خرجت من تحت الركام مرفوعة الرأس، وأن المقاومة الفلسطينية فرضت على الاحتلال واقعاً جديداً عنوانه: لا يمكن هزيمة شعب قرر أن يصمد.

اقرأ أيضًا : ضغوط على نتنياهو وردّ ذكي من المقاومة.. كيف تناولت الصحف العالمية خطة ترامب؟