تباينت تحليلات الصحف والمواقع العالمية بشأن خطة السلام الأميركية الجديدة بين إسرائيل وحركة حماس، لكن القاسم المشترك كان التشكيك في إمكانية نجاحها وسط تعقيدات سياسية وعسكرية متشابكة. فقد حذّرت هذه الصحف من أن تل أبيب ستكون الخاسر الأكبر إذا لم تستغل اللحظة الراهنة للوصول إلى تسوية تنهي حرباً استنزفتها داخلياً وخارجياً.

صحيفة “معاريف” الإسرائيلية كانت من أوائل الأصوات المنتقدة داخل إسرائيل، إذ كتب اللواء المتقاعد إسحاق بريك أن بلاده تخوض حرباً طويلة في غزة دون تحقيق أي هدف إستراتيجي، وأن استمرار القتال من دون أفق سياسي يعني “انحداراً نحو خسارة تاريخية”.

وأكد بريك أن السبيل الوحيد لإنقاذ إسرائيل هو اتفاق تفاوضي واقعي مع حماس، يقوم على تنازلات متبادلة تضع حداً للنزيف الأمني والسياسي، مشدداً على أن تجاهل الفرصة الحالية سيقود إلى “انهيار مكانة إسرائيل الإقليمية”، وهو ما فسره المراقبون بأنه دعوة مبطنة لنتنياهو للتراجع عن تشدده والاعتراف بحدود القوة.

واشنطن بوست: ترامب بين الطموح والهاوية

من جانبها، تناولت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية الخطة من زاوية أكثر توازناً، معتبرة أن هناك “نافذة ضيقة” للتوصل إلى اتفاق شامل في القاهرة بوساطة أميركية.

وأشارت الصحيفة إلى أن المقترح الأميركي الجديد يتجاوز الصفقات الجزئية لتبادل الأسرى نحو تسوية شاملة تشمل وقفاً دائماً لإطلاق النار، وإعادة إعمار غزة، وترتيبات أمنية بإشراف دولي.

ورأت الصحيفة أن قبول حماس المبدئي للخطة يمثل تطوراً مهماً، خصوصاً بعد أن تعاملت الحركة بذكاء مع الضغوط السياسية عبر إبداء المرونة في الشكل مع التمسك بالجوهر، مما جعلها تبدو كطرف “مسؤول يسعى لحل سياسي”، مقابل صورة نتنياهو الذي يرفض الخطة رغم تأييد واشنطن لها.

وحذّرت الافتتاحية من أن فشل ترامب في ضبط إيقاع المفاوضات بين الطرفين قد ينسف إنجازه السياسي الأهم منذ عودته إلى البيت الأبيض، ويقلب مسار سياسته الخارجية في الشرق الأوسط.

وول ستريت جورنال: تحركات مكثفة وضغوط على نتنياهو

أما “وول ستريت جورنال” فأبرزت التحركات المكثفة التي تقودها واشنطن لإنقاذ الخطة، مشيرة إلى أن المبعوثين الأميركيين جاريد كوشنر وستيف ويتكوف سيبدآن جولة جديدة في المنطقة تشمل القاهرة والدوحة وتل أبيب.

ونقلت الصحيفة عن مصدر إسرائيلي أن وفداً أمنياً رفيعاً سيشارك في المحادثات، يضم رئيس الشاباك رون ديرمر المقرب من نتنياهو، لبحث آليات تنفيذ الاتفاق إن تمت الموافقة عليه.

ورأت الصحيفة أن زيارة المبعوثين تمثل “اختباراً جدياً” لمدى استعداد نتنياهو للتجاوب مع الضغوط الأميركية، خاصة مع تصاعد التململ داخل المؤسسة العسكرية التي ترى أن استمرار الحرب بلا خطة خروج سيقود إلى كابوس سياسي واقتصادي.

لوموند: نفوذ بريطاني خفي واستمرار الانحياز

وفي فرنسا، ركزت صحيفة “لوموند” على الدور الخفي الذي يؤديه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في هندسة بعض جوانب الخطة الاقتصادية المتعلقة بغزة.

وأشارت إلى أن بلير، الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع نتنياهو منذ عقدين، أصبح جزءاً من “الدائرة الاستشارية غير الرسمية” لإدارة ترامب، ويساهم في طرح حلول اقتصادية تهدف إلى تثبيت السيطرة الإسرائيلية عبر مشاريع تنموية شكلية.

الكاتب الفرنسي جون بيير فيليو اعتبر أن هذه المقاربة “تكرر خطايا الماضي”، إذ تُغفل جوهر الصراع القائم على الحرمان من الحق الوطني الفلسطيني، وتحاول معالجة أزمة الاحتلال عبر تحسين المعيشة بدلاً من إنهاء الاحتلال نفسه.

غارديان: حقوق الإنسان والوجه الحقيقي لإسرائيل

أما صحيفة “غارديان” البريطانية فذهبت إلى بعد آخر، مستعرضة حادثة احتجاز الناشطة السويدية غريتا تونبرغ بعد مشاركتها في “أسطول الصمود العالمي” المتجه إلى غزة، ووصفت الحادثة بأنها “تجسيد عملي لسلوك إسرائيل تجاه المعارضين السلميين”.

وأوضحت أن تونبرغ تعرضت لسوء معاملة وإهانة متعمدة داخل السجن، حيث أُجبرت على حمل العلم الإسرائيلي خلال التحقيق لإخفاء هويتها، وهو ما أثار استياء المنظمات الحقوقية الأوروبية.

ورأت “غارديان” أن هذه الحادثة، بالتزامن مع طرح خطة السلام، تكشف التناقض بين الصورة التي تحاول تل أبيب تسويقها كطرف يسعى للسلام وبين ممارساتها القمعية على الأرض، مشيرة إلى أن هذا التناقض قد يُضعف موقفها في المفاوضات.

جيروزاليم بوست: أزمة الهوية داخل يهود الشتات

وفي السياق ذاته، حذّر الكاتب دوغلاس بلومفيلد في صحيفة “جيروزاليم بوست” من تآكل الدعم الذي كانت تحظى به إسرائيل داخل الجاليات اليهودية في الخارج، خاصة في الولايات المتحدة.

وقال إن “عصر الإجماع المؤيد لإسرائيل في الكونغرس انتهى”، موضحاً أن سياسات نتنياهو المتطرفة أوجدت “هوة هوية” بين يهود الداخل ويهود الشتات، وأن استمرار الحرب في غزة يزيد الانقسام الداخلي ويهدد شرعية الدعم الغربي لإسرائيل.

المقاومة: هدوء محسوب وردّ ذكي

في المقابل، لاقت استجابة حماس المدروسة للخطة الأميركية إشادة من المراقبين الدوليين، إذ قدّمت ردّاً متزناً جمع بين المرونة السياسية والمناورة التكتيكية، مما وضع إسرائيل في زاوية حرجة أمام واشنطن والرأي العام العالمي.

ففي الوقت الذي أبدت فيه الحركة استعدادها لمناقشة تفاصيل تنفيذية، شددت على ضرورة وقف العدوان وانسحاب الاحتلال من غزة بالكامل، وهو ما اعتبره محللون “رداً ذكياً” يجعل واشنطن في موقع الوسيط الحقيقي ويحرج نتنياهو الذي بدا يرفض السلام دون بدائل.

خلاصة

تجمع أغلب الصحف العالمية على أن الكرة الآن في ملعب نتنياهو، وأن فرص إسرائيل في الخروج من المأزق تزداد ضيقاً مع كل يوم تأجيل. فبينما يحاول ترامب إنقاذ خطته السياسية الأولى بعد عودته للبيت الأبيض، تراهن المقاومة على الزمن والشرعية الدولية.

وإن أخفقت إسرائيل في اقتناص هذه الفرصة، كما خلصت معظم التحليلات، فإنها ستخسر الحرب التي ظنت أنها ربحها منذ اليوم الأول.

اقرأ أيضًا : ازدواجية المعايير البريطانية: حرية التعبير تُقمع عندما تتحدث باسم فلسطين