في تطور لافت يعكس استمرار الانكشاف الأمني الإسرائيلي رغم ادعاءات القوة، أعلن الجيش الإسرائيلي صباح الثلاثاء اعتراض صاروخ أطلق من اليمن، هو الثاني خلال ثلاث ساعات فقط. 

صفارات الإنذار دوّت في عدة مناطق، من وسط إسرائيل إلى مستوطنات الضفة الغربية، ما أثار ذعراً واسعاً، وجدد التساؤلات حول فعالية ما يُوصف بأنه “أقوى جيش في المنطقة”.

هجوم مزدوج خلال ساعات.. صفارات الإنذار تكشف الهلع

بحسب بيان للجيش الإسرائيلي، فإن الصاروخ الأول انطلق من الأراضي اليمنية نحو القدس المحتلة، وتم اعتراضه قبيل وصوله، ما أدى لتفعيل صفارات الإنذار في مناطق متعددة. 

وبعد ثلاث ساعات فقط، تكررت العملية بصاروخ آخر، استدعت معه حالة استنفار واسعة.

ويأتي هذا التصعيد بعد سلسلة من الهجمات الحوثية تضامناً مع غزة، حيث أطلقت جماعة “أنصار الله” عدة صواريخ على أهداف إسرائيلية منذ أكتوبر الماضي، استهدفت من بينها مطار بن غوريون الدولي، مما تسبب في تعطيل رحلات جوية وإرباك لحركة الطيران، ودفع بعض شركات الطيران لتعليق عملياتها في “إسرائيل” كلياً.

ورغم التطمينات التي تحاول السلطات الإسرائيلية بثها للرأي العام المحلي، فإن تكرار هذه الهجمات — وخاصة من مسافات بعيدة مثل اليمن — يفتح الباب مجدداً للحديث عن ضعف المنظومة الدفاعية الإسرائيلية، واستنزافها في أكثر من جبهة.

الرد الإسرائيلي: قصف صنعاء بلا جدوى

ردّاً على هذه الهجمات، شنّ الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية على العاصمة اليمنية صنعاء في السادس من مايو/أيار الجاري، مستهدفاً مطار العاصمة ومواقع زعمت إسرائيل أنها عسكرية. وأسفرت الغارات عن تدمير المطار، وسقوط عدد من المدنيين.

إلا أن جماعة الحوثي لم تتراجع عن موقفها، بل زادت وتيرة الهجمات، لتؤكد على لسان قياداتها أن “العدوان الإسرائيلي على غزة لن يمر دون رد”، وأنّ استهداف إسرائيل سيتواصل إلى حين وقف “حرب الإبادة” في القطاع.

وقد وسّعت الجماعة نطاق استهدافها ليشمل أيضاً السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة نحو موانئها في البحر الأحمر وباب المندب، ما أثار قلقاً إقليمياً ودولياً بشأن أمن الممرات البحرية الحيوية للتجارة الدولية.

من اليمن إلى القدس.. الاحتلال في مرمى النيران

هذا التصعيد من جانب الحوثيين يُعيد إلى الأذهان صورة “الهالة الأمنية” التي لطالما روّجت لها إسرائيل عن نفسها باعتبارها “دولة ذات جيش لا يُقهر”. 

إلا أن الواقع منذ 7 أكتوبر 2023 حتى الآن يكشف عن عكس ذلك تماماً: فقد فشلت إسرائيل في منع عمليات نوعية تنطلق من قطاع غزة، ولا تزال تعجز عن تحييد تهديدات المقاومة اللبنانية، واليوم أصبحت عرضة لضربات صاروخية مصدرها اليمن، على بُعد أكثر من ألفي كيلومتر.

إنه المشهد الأكثر إحراجاً للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ عقود: “جيش النخبة” الذي يُخصص له سنوياً عشرات المليارات من الدولارات، ويعتمد على دعم تكنولوجي أميركي غير مسبوق، يتعثر أمام هجمات صاروخية من دول غير حدودية، بعضها تحت الحصار منذ سنوات.

والأخطر أن هذه الهجمات لا تحمل فقط أبعاداً عسكرية، بل رمزية وسياسية بالغة: فحين تُطلق جماعة يمنية فقيرة، محاصَرة، صواريخ تصل إلى القدس أو تل أبيب، فإن ذلك يعني أنّ المشروع الصهيوني فقد احتكاره المطلق للقوة، وتعرّى أمام خصومه في الشرق الأوسط.

رسائل الحوثيين.. ودلالات هشاشة الرد الإسرائيلي

ربطت جماعة “أنصار الله” صراحة وقف الهجمات الصاروخية بوقف الحرب على غزة، في رسالة تضامن غير مسبوقة من اليمنيين تجاه الشعب الفلسطيني. وهذا الخطاب الأخلاقي يلاقي صدى واسعاً في العالم العربي، ويعزز من صورة المقاومة باعتبارها قضية إسلامية وعربية جامعة.

لكن مقابل هذه الرسائل الواضحة، تبدو إسرائيل مرتبكة في ردّها. فهي تضرب صنعاء، ثم تتعرض لهجمات جديدة بعد أيام. وهي تُفعّل صفارات الإنذار وتدّعي اعتراض الصواريخ، لكن السكان يعيشون الهلع ذاته في كل مرة. وهي تقصف غزة وتعلن القضاء على “تهديدات” حماس، بينما تتساقط عليها الصواريخ من الجبهات الأربعة: غزة، لبنان، سوريا، واليمن.

هذه الهشاشة الواضحة تُظهر أن الجيش الإسرائيلي بات يتخبط بين عمليات البر، وضغط الشمال، وتهديد البحر الأحمر، فيما تواجه مؤسسته السياسية تفككاً داخلياً وتظاهرات شعبية، وصوراً يومية من غزة تُظهر الفشل الذريع في تحقيق أي من أهداف الحرب.

خاتمة: تآكل الردع.. ونهاية أسطورة التفوق

منذ إعلان الحرب على غزة في أكتوبر الماضي، سعت إسرائيل لتقديم نفسها كقوة قادرة على سحق المقاومة الفلسطينية، وردع أي دعم خارجي لها. لكنّ ما حدث هو العكس تماماً. فها هي اليمن، الدولة الغارقة في أزمتها الداخلية، توجه صفعات مدوية لجيش الاحتلال.

لقد بدأ يتآكل مفهوم “الردع الإسرائيلي” من الأطراف قبل أن يصل إلى القلب. وكلما تأخرت تل أبيب في إنهاء حربها على غزة، كلما ازداد تآكل هذا الردع، وانهارت معها رواية “الجيش الذي لا يُقهر”، لتحل محلها صورة كيان هش، محاصر سياسياً وأمنياً، في عمق جغرافي لم يعد آمناً حتى من صواريخ اليمن.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يستهدف المنظومة الطبية في غزة.. 10 مستشفيات وعيادات تتعرض لهجمات خلال أسبوع