دوت صافرات الإنذار مساء الثلاثاء في منطقة “غوش دان” التي تضم مدينة تل أبيب ومحيطها، في مشهد يعكس اتساع رقعة المواجهة بين المقاومة في لبنان والاحتلال الإسرائيلي، بعدما أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية رصد إطلاق صواريخ من الأراضي اللبنانية باتجاه وسط فلسطين المحتلة. وسُمع دوي انفجارات متتالية في سماء تل أبيب، فيما هرع المستوطنون إلى الملاجئ بعد دقائق من إطلاق الإنذار.
وبحسب ما نقلته صحيفة “معاريف”، فقد أطلقت عدة صواريخ من جنوب لبنان، حيث ادعى جيش الاحتلال اعتراض بعضها بينما سقط أحدها في منطقة مفتوحة. لكن مجرد وصول الصواريخ إلى عمق تل أبيب، التي تمثل المركز السياسي والاقتصادي لدولة الاحتلال، يعكس تحولا في طبيعة المواجهة ويطرح تساؤلات جدية حول فعالية منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية التي طالما روّجت تل أبيب لقدرتها على حماية الجبهة الداخلية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه المنطقة حالة تصعيد غير مسبوقة، في ظل العدوان الإسرائيلي الأمريكي المتواصل على إيران، وما تبعه من توسع دائرة الاشتباك لتشمل عدة جبهات في الشرق الأوسط، أبرزها لبنان والعراق واليمن والخليج.

حزب الله يوسع بنك أهدافه العسكرية
في المقابل، أعلن حزب الله اللبناني تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية حساسة في شمال فلسطين المحتلة، من بينها قاعدة ميرون العسكرية وقاعدة رامات دافيد التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي، في إطار ما وصفه بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الأراضي اللبنانية.
كما أعلن الحزب قصف ثكنة “كيلع” العسكرية في الجولان السوري المحتل باستخدام صواريخ دقيقة، مؤكدا أن هذه العمليات تأتي ضمن معركة مفتوحة ضد الاحتلال الإسرائيلي الذي يواصل شن غارات مكثفة على لبنان، مستهدفا مناطق مدنية ومنازل سكنية وبنية تحتية في الضاحية الجنوبية لبيروت وعدة بلدات جنوبية.
ويقول الحزب إن تصعيده العسكري لا يأتي بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، بل هو جزء من رد محور المقاومة على العدوان الإسرائيلي الأمريكي الذي استهدف إيران، وخصوصا عملية اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وهي العملية التي اعتبرتها طهران وحلفاؤها تجاوزا لكل الخطوط الحمراء وإعلانا لحرب مفتوحة في المنطقة.
الاحتلال يصعّد غاراته ويهدد بحرب طويلة
رد الاحتلال الإسرائيلي على هذه العمليات بإعلان ما وصفه بـ“معركة هجومية” ضد حزب الله، حيث نفذ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات جوية عنيفة استهدفت الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، إضافة إلى عدة مناطق في الجنوب اللبناني.
وأصدر جيش الاحتلال تحذيرات للمستوطنين بضرورة الاستعداد لأيام طويلة من القتال، في إشارة إلى إدراك القيادة العسكرية الإسرائيلية أن المواجهة مع حزب الله قد تتحول إلى حرب واسعة تتجاوز حدود الاشتباكات المحدودة التي شهدتها الجبهة اللبنانية خلال الأشهر الماضية.
غير أن هذه التهديدات تأتي في ظل انتقادات متزايدة داخل إسرائيل لأداء الحكومة والجيش، خاصة بعد أن أثبتت جبهة الشمال قدرتها على استنزاف الجيش الإسرائيلي وإرباك منظومة الأمن الداخلي عبر هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة متكررة.
ثمن العدوان الإسرائيلي على لبنان
منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تكبد لبنان خسائر بشرية ومادية هائلة نتيجة الغارات الإسرائيلية التي استهدفت المدن والبلدات اللبنانية بشكل مكثف. وتشير التقديرات إلى أن العدوان الإسرائيلي أسفر عن استشهاد أكثر من أربعة آلاف شخص وإصابة نحو 17 ألفا آخرين، إضافة إلى تدمير واسع للبنية التحتية والمنازل.
وقد تصاعدت حدة العدوان في أيلول/سبتمبر 2024 عندما تحولت المواجهة إلى حرب شبه شاملة، حيث كثّف الاحتلال هجماته الجوية والبرية، في محاولة لفرض واقع أمني جديد على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.
لكن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها حتى الآن، إذ يواصل حزب الله تنفيذ عمليات عسكرية ضد المواقع الإسرائيلية، مؤكدا أن المقاومة لن تتوقف طالما استمر العدوان الإسرائيلي على لبنان وفلسطين.
حرب إقليمية تتشكل ملامحها
يرى مراقبون أن ما يجري اليوم في لبنان وتل أبيب ليس مجرد تبادل محدود للضربات، بل هو جزء من مشهد إقليمي أوسع يتشكل على وقع العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران.
فإسرائيل، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، حاولت توجيه ضربة قاصمة لإيران عبر استهداف قيادتها السياسية والعسكرية، لكن الرد الإيراني جاء عبر فتح عدة جبهات في المنطقة، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفائها.
وفي هذا السياق، تبدو جبهة لبنان واحدة من أخطر الساحات بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، نظرا للقدرات العسكرية الكبيرة التي يمتلكها حزب الله، والتي تشمل آلاف الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وأنظمة الحرب الإلكترونية.
تل أبيب تحت الضغط وميزان الردع يتغير
الضربات التي طالت تل أبيب، حتى وإن كانت محدودة من حيث الخسائر المعلنة، تحمل دلالات سياسية وعسكرية مهمة، إذ تعكس قدرة المقاومة على نقل المعركة إلى عمق الكيان الإسرائيلي، وهو ما يضع القيادة الإسرائيلية أمام معادلة جديدة لم تعتد عليها منذ سنوات.
كما أن استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، بالتزامن مع الرد الإيراني على العدوان الإسرائيلي الأمريكي، يعني أن المنطقة قد تكون على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع، تتراجع فيها قدرة الاحتلال على فرض قواعد الاشتباك التقليدية التي اعتاد عليها.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إسرائيل اليوم أمام اختبار صعب: إما الاستمرار في التصعيد العسكري بما قد يقود إلى حرب إقليمية شاملة، أو البحث عن مخرج سياسي يوقف نزيف الجبهات المفتوحة، في وقت تؤكد فيه طهران أن دفاعها عن نفسها وعن حلفائها سيستمر طالما استمرت الاعتداءات الإسرائيلية الأمريكية على شعوب المنطقة.
اقرأ أيضًا : تصعيد داخلي في واشنطن.. حاكم كاليفورنيا يتهم ترامب بجرّ أمريكا إلى حرب غير قانونية ضد إيران