شهدت الدورة الثانية والثمانون من مهرجان فينيسيا السينمائي حدثًا غير مسبوق، حينما خطف فيلم “صوت هند رجب” الأضواء وأبكى الحضور، متجاوزًا حدود الفن إلى فضاء القضايا الإنسانية الكبرى. الفيلم، الذي يتناول قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب (5 سنوات)، التي استشهدت مع ستة من أفراد عائلتها في غزة بعد أن أمطر الاحتلال سيارتهم بـ355 رصاصة، نجح في تحويل مأساة شخصية إلى شهادة سينمائية على جريمة إبادة جماعية ما تزال مستمرة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. صوت هند الصغير، وهي تتوسل قائلة: “أنا خائفة.. تعالوا خدوني”، أصبح رمزًا يتجاوز حدود المكان، ويستدعي ضمير العالم بأسره.

دعم هوليوودي ورسالة عالمية
الفيلم من إخراج التونسية كوثر بن هنية، التي عُرفت بأعمالها السابقة مثل “بنات ألفة” و”الرجل الذي باع ظهره”، لكنه هذه المرة حمل صرخة غزة عبر تسجيل صوتي حقيقي لهند. بن هنية أوضحت أن ما سمعته لم يكن مجرد صوت طفلة، بل كان “صوت غزة بأكملها يطلب المساعدة”. وقد حظي العمل بدعم واسع من نجوم هوليوود، من بينهم براد بيت، خواكين فينيكس، وروني مارا، ألفونسو كوارون، وجوناثان غليزر، الذين شاركوا في الإنتاج، وحضر بعضهم العرض الأول. هذا الحضور الكثيف من الأسماء اللامعة لم يكن مجرد مساهمة فنية، بل خطوة سياسية رمزية ضد جرائم الاحتلال.
صدى فينيسيا: تصفيق قياسي ودموع حقيقية
الاستقبال كان استثنائيًا: 23 دقيقة و50 ثانية من التصفيق المتواصل، وهو رقم قياسي في تاريخ المهرجان، بحسب تقارير إعلامية. الممثل الفلسطيني معتز ملحيس رفع علم فلسطين على المسرح، قبل أن يعترف بأنه عاش نوبتين من الهلع أثناء التصوير لشدة تشابه المشهد مع حياته اليومية. وصف النقاد الفيلم بأنه “هز عرش البندقية”، معتبرين أن السينما تحولت إلى ساحة مقاومة لا تقل تأثيرًا عن الميادين السياسية. دموع الحاضرين لم تكن مجرد انفعال فني، بل تجسيد لصحوة الضمير العالمي أمام مأساة مستمرة.
غياب عربي فاضح: صمت السينما أم صدى الأنظمة؟
على الجانب الآخر، برز الغياب التام للفنانين والمنتجين العرب عن دعم الفيلم، أو حتى حضوره، في مشهد وصفه الكاتب الفلسطيني أيمن اللبدي بأنه “إدانة أخلاقية وثقافية”. اللبدي أشار إلى أن بن هنية “قدمت ما عجزت عنه 53 وزارة ثقافة وإعلام عربية وإسلامية”، معتبرًا أن غياب السينما العربية عن توثيق جرائم غزة يعكس تماهياً مع مواقف رسمية متخاذلة. الصحفية التونسية مونية العرفاوي رأت أن السينما العربية “مخيبة للآمال”، ومجرد انعكاس لمواقف الأنظمة المطبّعة ثقافيًا، مؤكدة أن الاستثناءات، مثل فيلم “ناجي العلي” أو مسلسل “التغريبة الفلسطينية”، بقيت محاصرة تمامًا كما يُحاصر الفلسطينيون أنفسهم.
السينما كسلاح مقاومة: حين تهزم الصورة الدعاية
النقاد والكتاب الذين تابعوا العمل أجمعوا أن السينما غدت اليوم سلاحًا من أسلحة المقاومة. اللبدي أشار إلى أن “صوت هند” استطاع أن ينسف رواية الاحتلال تمامًا، تمامًا كما فعلت أفلام المحرقة سابقًا لصالح الرواية الصهيونية. الفرق أن المشاهد الآن تُبث مباشرة، ويوميا، وتجعل العالم يرى الإبادة الجماعية بلا وسيط. من هنا فإن الفيلم ليس مجرد شهادة، بل مادة سياسية مضادة تخلخل رواية إسرائيل أمام الرأي العام الغربي.
البعد النفسي والإنساني: الخيانة الكبرى
أحد أعمق أسباب التفاعل العالمي – وفق اللبدي – هو شعور المتلقي الغربي بـ”الخيانة”. فقد دافع كثيرون طويلا عن ضحايا الهولوكوست، لكنهم يكتشفون أن من قدّموا أنفسهم كضحايا يمارسون اليوم جرائم مشابهة ضد شعب آخر. هذا الانكشاف ولّد صدمة أخلاقية جعلت من “صوت هند” أكثر من عمل فني: إنه مرآة قاتلة للضمير الغربي.
استدعاء الذاكرة وتوسيع الأفق
الفيلم لا يقف عند هند فقط، بل يستحضر ذاكرة ممتدة من يوسف أبو شعر “كيرلي” إلى الطفلة روح الروح وغيرهم من أطفال غزة الذين خطفهم الموت. بذلك، يتحول “صوت هند” إلى وثيقة بصرية تؤرخ لجريمة مستمرة، وتعيد إنتاج الذاكرة الفلسطينية بأدوات سينمائية راقية، ليبقى صداها في التاريخ كما بقيت صرخة “عمر المختار” أو صورة “محمد الدرة”.
ماذا بعد فينيسيا؟
رغم أن بعض النقاد – مثل المصري أمير العمري – يشككون في إمكانية فوز الفيلم بـ”الأسد الذهبي” خوفًا من إغضاب إسرائيل وحلفائها، إلا أن مجرد وصوله لهذه المرحلة بحد ذاته انتصار. تونس رشحت العمل رسميًا لـ”الأوسكار”، ما يفتح الباب أمامه لتمثيل العرب على منصة عالمية. لكن الأهم، وفق ما يؤكد متحدثون فلسطينيون، أن الفيلم أعاد الاعتبار للسينما كأداة مقاومة، وأثبت أن التضامن الحقيقي لا يحتاج إلى خطابات سياسية، بل إلى إبداع صادق وصورة ناطقة.
خاتمة: صرخة لا يجب أن تضيع
في النهاية، “صوت هند رجب” ليس مجرد فيلم، بل صرخة كل أطفال فلسطين. هوليوود تجاوبت، فينيسيا بكت، أما السينما العربية فبقيت غائبة، مكبّلة بقيود السياسة والرقابة والتطبيع الثقافي. لكن نجاح الفيلم يوجه رسالة واضحة: أن الفن حين يلتصق بالحق يصبح سلاحًا لا يُكسر، وأن صوت طفلة من غزة قادر على أن يُحرّك ضمائر الملايين، ويهز أعرق المهرجانات السينمائية في العالم.
اقرأ أيضًا : كيف بدأ الاحتلال سياسة تجويع غزة منذ 2007؟