منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في حزيران/ يونيو 2007، اتخذ الاحتلال الإسرائيلي قرارًا استراتيجيًا بفرض حصار شامل على أكثر من مليوني إنسان. هذا الحصار لم يكن مجرد قيود على حركة الأفراد والبضائع، بل سرعان ما تحول إلى سياسة ممنهجة تقوم على التحكم في الغذاء والدواء، وصولًا إلى ما يمكن وصفه بـ”التجويع المدروس”. 

فبدلًا من الاكتفاء بذريعة “الأمن”، صاغت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية آلية بيروقراطية عُرفت لاحقًا باسم وثيقة “الخطوط الحمراء”، وهي واحدة من أكثر النماذج الصادمة التي تكشف كيف يمكن لدولة أن تُحوّل حياة المدنيين إلى معادلات حسابية للحرمان والجوع.

بدايات الحصار: من الذريعة الأمنية إلى التجويع الممنهج

عقب الانقسام الفلسطيني في 2007، فرضت حكومة إيهود أولمرت قيودًا إضافية على حركة الأفراد والبضائع من وإلى قطاع غزة. هذه القيود شملت تقليص إمدادات الوقود والكهرباء ومنع الصادرات، إلى جانب التحكم في المواد الغذائية. كان المبرر المعلن هو “منع وصول حماس إلى الموارد”، بينما الهدف العملي تمثل في إخضاع المجتمع الغزّي ككل.

خلال السنوات اللاحقة، عاش القطاع أزمات إنسانية متلاحقة: نقص في الأدوية، ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وإغلاق المعابر بشكل شبه دائم. وفي الوقت الذي كان فيه الاحتلال يدّعي أن هذه الإجراءات “تجنب أزمة إنسانية”، كان الواقع يقول العكس؛ إذ جرى تحويل الغذاء إلى أداة ضغط سياسي، عبر التحكم في الكميات ونوعية البضائع التي يُسمح بدخولها.

كشف المستور: وثيقة “الخطوط الحمراء”

في عام 2012، وتحت ضغط قضائي مارسته جمعية “ﭽيشاه–مسلك” الإسرائيلية، كُشف النقاب عن وثيقة أعدها “منسق عمليات الحكومة في الأراضي الفلسطينية” عام 2007. الوثيقة، التي سُمّيت بـ”الخطوط الحمراء”، لم تكن مجرد تقرير إداري، بل جدول دقيق للسعرات الحرارية المسموح بها لسكان غزة، بما يكفي فقط لتجنب “سوء التغذية الجماعي”، من دون السماح بحدوث اكتفاء أو تنمية.

الوثيقة حدّدت أن متوسط السعرات اليومية للشخص الواحد يجب أن يكون نحو 2279 سعرة حرارية، تُترجم إلى 1836 غرامًا من الطعام، ما يعادل دخول 170 شاحنة يوميًا، جرى تقليصها لاحقًا إلى نحو 101 شاحنة بعد خصم الإنتاج المحلي. والأخطر أن هذه الحسابات لم تُبنَ على معايير إنسانية، بل على “مفاتيح” وضعتها وزارة الصحة الإسرائيلية، مع تعديل متعمد لتقليل الخضراوات والحليب واللحوم وزيادة السكر، في معادلة تكشف جانبًا من عقلية التجويع الممنهج.

البيروقراطية الأمنية: نظام فصل وقمع

ما كشفته الوثيقة لم يكن مجرد حسابات غذائية، بل بيروقراطية احتلالية كاملة، قائمة على تشريعات طوارئ وأوامر عسكرية سرية. النظام صُمم لإدارة حياة الفلسطينيين وفق معايير الفصل العرقي: قوانين وممارسات منفصلة لليهود والفلسطينيين، مع سيطرة شبه كاملة لجهاز “الشاباك” على القرار.

وبحسب مقال “ياعيل باردا” في “هآرتس”، فإن الوثيقة ليست “مسودة بيروقراطية فاسدة”، بل آلية متكاملة تستند إلى مبدأ اعتبار كل فلسطيني “خطرًا أمنيًا”، وبالتالي إخضاع الجميع للقيود نفسها. عمليًا، كان الاحتلال يُدير حياة سكان غزة يوميًا عبر التحكم في الغذاء، الكهرباء، والدواء، من دون أن يتحمل أي مسؤولية قانونية باعتباره “انسحب” من القطاع.

تجويع تحت غطاء “الإنسانية”

رغم أن جيش الاحتلال زعم أن الوثيقة مجرد “مسودة لم تُطبق”، إلا أن الوقائع على الأرض أثبتت عكس ذلك. فمنع دخول منتجات أساسية مثل مواد البناء والكتب والآلات الموسيقية وحتى الحمص المُصنّع لفترات طويلة، عكس أن المبدأ لم يكن “الأمن”، بل الهندسة الاجتماعية والمعاقبة الجماعية.

وتشير معطيات من الأمم المتحدة إلى أن عدد الشاحنات التي دخلت غزة في تلك السنوات كان دائمًا أقل بكثير من الحد الأدنى الوارد في الوثيقة، ما أدى إلى نقص مستمر في المواد الأساسية، وانعكس على مؤشرات سوء التغذية والصحة العامة.

مصالح اقتصادية إسرائيلية

لم يكن الأمر مقتصرًا على حسابات أمنية، بل تداخلت فيه مصالح لوبيات زراعية وتجارية إسرائيلية. فقرارات السماح بدخول بعض السلع أو منعها كانت تخضع لضغط المزارعين الإسرائيليين، الذين اعتبروا غزة سوقًا تحت السيطرة. مثال على ذلك السماح بدخول شاحنات بطيخ أو تفاح، ليس بناءً على حاجة الغزيين، بل لحماية “السوق الإسرائيلي” من فائض الإنتاج.

كما استفادت شركات النقل الإسرائيلية وشخصيات أمنية سابقة مثل نيسيم جان من إدارة المعابر، في ظل اتهامات بالابتزاز والتربح من معاناة سكان غزة.

من “الخطوط الحمراء” إلى المجاعة المفتوحة

إذا كان نموذج 2007–2012 قد كشف نية الاحتلال في التحكم بالحد الأدنى من الغذاء، فإن السنوات الأخيرة، خصوصًا منذ آذار/ مارس 2025، مثلت انتقالًا من التجويع المحسوب إلى المجاعة المفتوحة. فإغلاق جميع المعابر ومنع المساعدات الإنسانية تقريبًا حول غزة إلى سجن جماعي يموت فيه الناس جوعًا ومرضًا.

حتى الإنزالات الجوية التي بدأت في يوليو 2025 جاءت كدعاية سياسية أكثر من كونها استجابة إنسانية، قبل أن يوقفها الاحتلال بعد شهر، متذرعًا بخططه العسكرية لاحتلال مدينة غزة.

الخلاصة

تكشف وثيقة “الخطوط الحمراء” أن الاحتلال الإسرائيلي لم يتعامل مع غزة باعتبارها قضية أمنية فقط، بل كحقل تجارب لبيروقراطية غير مسبوقة، حولت حياة المدنيين إلى أرقام ومعادلات غذائية. هذه السياسة التي بدأت منذ 2007، لم تكن سوى تمهيد للمجاعة الشاملة التي نشهدها اليوم.

فالوثيقة، التي أراد الاحتلال التهرب من الاعتراف بها، أصبحت رمزًا على أن التجويع كان سياسة مدروسة، وليست نتيجة “ظروف حرب”. وهي تُظهر أن ما يحدث اليوم في غزة ليس وليد اللحظة، بل استمرار لنهج ممنهج استمر لأكثر من 18 عامًا، هدفه كسر المجتمع الفلسطيني عبر سلاح الجوع.

اقرأ أيضا : الرياض تفرش منصات اللعب والإسرائيليون يدخلون من بوابة FIFAe 2025