في مشهد صادم جديد يعكس وحشية الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، وثّقت صورة متداولة قيام جنديين من لواء “غولاني” باستخدام شاب فلسطيني درعًا بشريًا داخل منزل مجهول الموقع، بينما يلتقطان صورة “تذكارية” إلى جانب صورة جندي قتيل، في مشهد لا يمكن وصفه سوى بجريمة حرب مكتملة الأركان، تتحدى القوانين الدولية وتنتهك الحد الأدنى من القيم الأخلاقية.
الصورة التي نشرتها حسابات مختصة بتوثيق جرائم الحرب، مثل حساب Genocide Tracker، تظهر الفلسطيني مقيد اليدين، جالسًا بطريقة مهينة، وقد تم إخفاء ملامحه بالكامل، ما يرجح نية الجنود استخدامه كأداة للابتزاز أو التهديد أو حتى للتمويه العسكري.
وخلفه يقف جنديان من لواء “غولاني” رافعين علمًا للوائهم، وقد علقت عليه صورة زميلهم الذي قتل على يد المقاومة الفلسطينية. المشهد، برمّته، لا ينتمي إلى ساحة حرب، بل إلى كابوس من كوابيس الفاشية العسكرية.

دروع بشرية.. سياسة ممنهجة في جيش الاحتلال
استخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية ليس بالأمر الجديد في ممارسات جيش الاحتلال. فبحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، كشف ضابط كبير في وقت سابق أن القوات الميدانية تعتمد على الفلسطينيين لتأمين اقتحام المنازل، حيث يتم استخدامهم لكشف وجود الألغام أو الأنفاق أو المقاومين، قبل دخول الجنود. وذكر التقرير أن الجيش يستخدم هذه الطريقة ما لا يقل عن 6 مرات يوميًا في قطاع غزة.
المفارقة المؤلمة أن هذه الجرائم لا تُرتكب خلسة، بل تُمارس بعلم القادة الميدانيين، وبتواطؤ كامل من قيادات الجيش الإسرائيلي، ما يجعل الأمر جريمة ممنهجة، لا حالات فردية كما يزعم الإعلام الإسرائيلي. يتم إجبار المدنيين على الدخول إلى أماكن مشبوهة، دون معدات حماية أو حتى معرفة مسبقة بخطورة المكان، بينما ينتظر الجنود في الخلف لحين تأكيد خلو الموقع.
ويشير الضابط الإسرائيلي ذاته إلى أن الجنود يفضّلون استخدام البشر على الآليات والروبوتات العسكرية، لكون العملية أسرع وأقل كلفة من حيث الوقت والعتاد. أي أن حياة الفلسطيني أصبحت في نظر جيش الاحتلال أرخص من روبوت أو طائرة مسيرة.
توثيق بالصورة.. والعالم يلوذ بالصمت
الصورة الجديدة التي هزت مواقع التواصل الاجتماعي، لم تأتِ من كاميرا صحفي استقصائي أو من عدسة وكالة أنباء مستقلة، بل جاءت من تسريب داخل حسابات إسرائيلية فخورة بالفعل. وهذه النقطة تكشف خطورة المشهد: الجنود لا يخفون جرائمهم، بل يتباهون بها، وكأنهم يسيرون في مسيرة نصر على ركام الجثث.
وقد أشار حساب Genocide Tracker إلى أن الجنود تعهدوا بالانتقام لزميلهم القتيل، في اعتراف ضمني بأن استخدام الفلسطيني كدرع بشري لم يكن فقط بدافع تكتيكي، بل بدافع انتقامي عنصري. لا يُعرف حتى الآن مصير هذا الفلسطيني الذي ظهر في الصورة، لكن تقارير ميدانية سابقة، تؤكد أن من يتم استخدامهم كدروع بشرية، غالبًا ما يُطلق عليهم النار بعد أن يُطلب منهم المغادرة، في مشهد أشبه برماية ترفيهية بين الجنود أو “تدريب” على القنص، بحسب ما نقله شهود سابقون وناشطون.
ولعل أخطر ما في هذه الجرائم أنها تجد طريقها إلى التداول دون محاسبة، في ظل صمت مطبق من المجتمع الدولي، وعجز الأمم المتحدة، وتواطؤ بعض الدول الغربية التي تواصل تسليح الاحتلال تحت ذرائع الأمن والدفاع عن النفس.
جريمة مكتملة الأركان.. أين العدالة الدولية؟
وفقًا لاتفاقيات جنيف، وتحديدًا المادة (28) من اتفاقية جنيف الرابعة، يُعدّ استخدام المدنيين كدروع بشرية جريمة حرب، تقتضي الملاحقة والعقاب أمام محاكم دولية. كما تندرج هذه الممارسات ضمن جرائم الإبادة الجماعية إذا ما كانت جزءًا من سياسة ممنهجة ومستمرة تستهدف فئة محددة من السكان.
لكن رغم التوثيق المستمر، بالصور والفيديو والشهادات، لم يُفتح أي تحقيق دولي جاد ضد المسؤولين الإسرائيليين، بل إن بعضهم -مثل وزير الدفاع يوآف غالانت أو قائد الأركان هرتسي هليفي– يواصلون إصدار أوامر عسكرية تؤدي بشكل مباشر إلى هذه الجرائم، دون أن تُفرض عليهم حتى عقوبات رمزية.
ويبدو أن غياب المحاسبة شجّع الجنود على المزيد من الاستهتار بالقانون الدولي، حيث تحولت الحرب على غزة إلى مختبر علني لانتهاك حقوق الإنسان واختبار أسلحة جديدة على أجساد المدنيين. حتى صور الموت والاعتقال والتعذيب أصبحت تُستخدم كأدوات للدعاية والتحفيز الداخلي لجنود الاحتلال، ضمن ما يشبه “التوثيق الذاتي للوحشية”.
الصمت الدولي شراكة في الجريمة
إن صورة الجندي الذي يرفع علمًا إلى جانب درع بشري فلسطيني، ليست مجرد لحظة تم توثيقها بالصدفة. إنها انعكاس صريح لعقيدة عسكرية تتغذى على الإذلال والسيطرة، وتفتقر إلى الحد الأدنى من الإنسانية. ومع استمرار المجتمع الدولي في تجاهل هذه الانتهاكات، يصبح الصمت شكلًا من أشكال التواطؤ.
السؤال الملحّ: إلى متى سيظل الدم الفلسطيني بلا قيمة؟ وإلى متى سيبقى الاحتلال فوق القانون، مدججًا بالدعم الغربي، ومعفى من أبسط المعايير الأخلاقية التي يُحاسب بها الآخرون؟ الصورة لا تحتاج إلى تعليق، بل تحتاج إلى محكمة.
اقرأ أيضًا : كاميرات الاحتلال تكشف بسالة المقاومة: هجوم نوعي يستهدف دبابتين إسرائيليتين جنوب غزة