في تطور لافت أعاد خلط الأوراق في المشهد السياسي والأمني للاحتلال، نشرت سرايا القدس – الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي – مقطع فيديو للأسير الإسرائيلي روم براسلافسكي، في حالة صحية متدهورة، مثيرًا عاصفة من الغضب والقلق داخل المجتمع الإسرائيلي. بدا براسلافسكي غير قادر على الوقوف، متكئًا على عكاز وملامحه يكسوها الهزال، متأثرا بإصابة في ساقه وتعبير جوع حاد بسبب الحصار المفروض على غزة.

هذه المشاهد التي وثّقت تفاصيل انهياره الجسدي والنفسي كانت كفيلة بإعادة فتح جراح الاحتلال، خاصة بين أهالي الأسرى، الذين رأوا في تلك الصور تجسيدًا لأقصى درجات العجز والعذاب. تصريح والد الأسير لم يكن أقل وقعًا من المشهد ذاته، إذ قال في تصريح لوكالة أسوشيتد برس: “ترى طفلك يموت أمام عينيك، ولا يمكنك فعل شيء. إنه أمر لا يُحتمل”، مؤكدًا أن ابنه فقد الأمل وبات ينتظر الموت، واصفًا نظراته بـ”الفراغ المرعب”.

وبينما كانت حكومة الاحتلال تسعى لإقناع الجمهور بأن الحرب ما زالت تسير وفق خطة “سحق حماس”، جاءت هذه الصور كصفعة مدوية تفضح أكذوبة الانتصار، وتظهر هشاشة الموقف السياسي والعسكري لحكومة نتنياهو، التي باتت غير قادرة على إعادة أسرى قضوا أكثر من 300 يوم في الأسر، بينما يتفاقم شعور المجتمع الإسرائيلي بأن الوقت ليس في صالحهم.

احتجاجات متصاعدة.. وضغوط شعبية على نتنياهو

أحدثت الصور المسربة موجة من الغليان في الداخل الإسرائيلي، دفعت بعشرات الآلاف من الإسرائيليين إلى النزول إلى الشوارع في مظاهرات غاضبة ليلة السبت، في مشهد وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بأنه “أكبر تظاهرة منذ شهور”. وطالب المتظاهرون بعقد اتفاق فوري لتبادل الأسرى ووقف الحرب على غزة.

لم تكن هذه أولى التظاهرات، لكنها كانت الأكثر تأثيرًا، لأنها حملت معها رسائل جديدة، مفادها أن المجتمع الإسرائيلي لم يعد يطيق تجاهل محنة الأسرى، وأن “الردع” لم يعد مبررًا كافيًا لمواصلة حرب لم تحقق أيا من أهدافها. وارتفعت اللافتات المطالبة بـ”الصفقة الآن”، و”أعيدوا أبناءنا”، وسط هتافات غاضبة ضد نتنياهو وحكومته.

وفي خطوة رمزية غير مسبوقة، تخطط عائلات الأسرى لركوب سفينة والتوجه نحو سواحل غزة، في محاولة لـ”كسب تعاطف الرأي العالمي”، وفقًا لما نشره موقع “يسرائيل هيوم”. هذه المبادرة تأتي ردًا على قوافل كسر الحصار التي تتضامن مع غزة، لكن هدفها الأكبر إحراج حكومة الاحتلال أمام المجتمع الدولي، عبر إظهار حجم اليأس الذي تعانيه عائلات الأسرى.

تأتي هذه التطورات في وقت يزداد فيه الضغط الدولي على “إسرائيل”، إذ خرجت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ببيان يدين استمرار منع الاحتلال لها من زيارة المعتقلين الفلسطينيين في سجونه، وذلك بعد مطالبة نتنياهو لها بتوفير الغذاء والرعاية الطبية لأسرى الاحتلال لدى حماس. رد اللجنة كان حاسمًا: “أنتم تطالبون بحقوق لأسرى لديكم، وتمنعوننا من زيارة آلاف المعتقلين الفلسطينيين في سجونكم”.

المقاومة تقلب الطاولة وتنتصر في معركة الرواية

بنشرها لهذه المشاهد المؤثرة، نجحت المقاومة الفلسطينية في قلب الطاولة ليس فقط على حكومة نتنياهو، بل على الرواية الإسرائيلية برمتها. ففي الوقت الذي تحاول فيه تل أبيب تسويق رواية “الانتصار والقوة”، جاءت صور الأسرى لتفضح حقيقة الصراع، وتعيد تسليط الضوء على البعد الإنساني الذي لطالما تجاهله الإعلام الغربي.

حركة حماس، من جانبها، كانت حريصة على إرسال رسالة مزدوجة: الأولى للمجتمع الدولي، مفادها أن الأسرى الإسرائيليين لا يُعاملون بوحشية كما تفعل “إسرائيل” مع الأسرى الفلسطينيين، بل يعيشون معاناة مشتركة بسبب الحصار والجوع الذي يفتك بجميع من في القطاع. والثانية للداخل الإسرائيلي، تؤكد من خلالها أن المقاومة لا تزال تملك أوراقًا ضاغطة، وأن “ورقة الأسرى” ستبقى في قلب المعركة حتى النهاية.

وقد جاء في بيان الحركة: “أسرى الاحتلال ليسوا جوعى لأننا نجوعهم، بل لأن الاحتلال يمنع دخول الغذاء والمساعدات إلى غزة”، مضيفة أن الاستجابة لطلبات الصليب الأحمر مرهونة بفتح ممرات إنسانية دائمة لتوصيل الغذاء والدواء لكل سكان القطاع، بما في ذلك الأسرى.

في المقابل، تبدو حكومة نتنياهو أمام مأزق متفاقم. فكل يوم يمر دون صفقة تبادل، يضعف موقفها أكثر، وتزيد الهوة بينها وبين الرأي العام. وبينما كانت تراهن على “كسر المقاومة”، تحوّل الأسرى إلى قنبلة سياسية تهدد بنسف حكومته الهشة.

خاتمة: معركة الأسرى عنوان الفشل والارتباك الإسرائيلي

تشير المعطيات الحالية إلى أن صور الأسرى الأخيرة لم تكن مجرد تسريب دعائي، بل ضربة استراتيجية منظمة، قلبت المعادلة الإعلامية والسياسية في آنٍ واحد. فبينما كانت حكومة الاحتلال تتحدث عن “توسيع العمليات”، اضطرت فجأة لمواجهة الرأي العام الغاضب، والضغوط الدولية، والانكشاف الأخلاقي.

وبينما يتآكل الغطاء السياسي والدولي عن نتنياهو، تواصل المقاومة حيازة زمام المبادرة، مؤكدة أن من يملك الأسرى يملك مفتاح القرار. والنتيجة: كل يوم يمر، يزداد فيه الأسرى ضعفًا، تزداد معه حكومته انكشافًا. فهل يضطر نتنياهو أخيرًا لإبرام الصفقة التي طالما تهرّب منها؟ أم يستمر في سياسات العناد التي تقوده إلى السقوط؟

اقرأ أيضًا : نتنياهو “يقتل الأسرى جوعًا”.. حماس تتهمه وتحذر من نية تصفية الملف بالإبادة الصامتة