كشفت صور أقمار صناعية حديثة حجم الدمار المروّع الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، كاشفة عن سياسة ممنهجة لهدم المدينة وتسويتها بالأرض في مشهد يرقى إلى جريمة حرب موثقة بالأدلة البصرية.
منطقة المسلخ، ودوار بني سهيلة، وخزاعة، لم تعد كما كانت؛ اختفت معالمها تحت الركام، وتحولت إلى مجرد بقع رمادية محروقة.
بينما توثق الصور تحوّل الأحياء السكنية إلى صحارى من الحطام، أظهرت المقاطع الأرضية المصاحبة لحظات التفجير المنظمة التي نفذها الجيش الإسرائيلي ضد المباني والمدارس والبنية التحتية، ما يفتح باب التساؤل: هل دُمرت هذه المدينة “لأسباب عسكرية” فعلًا، أم انتقامًا منظّمًا يستهدف المدنيين والبنية المدنية؟

دمار منهجي يكشف سياسة الأرض المحروقة
وفقًا لما كشفت عنه صور الأقمار الصناعية التي حصلت عليها مؤسسات حقوقية وصحفية، فإن الدمار في مدينة خانيونس، وتحديدًا في محيط منطقة المسلخ ودوار بني سهيلة، يتجاوز نتائج الاشتباكات المباشرة، ليعكس عمليات هدم ممنهجة ومنظمة لمبانٍ قائمة، بعضها لم يكن متضررًا بشكل يُبرر تدميره.
وتظهر الصور تحول منطقة خزاعة بالكامل إلى أنقاض، في ظل اختفاء معالمها بشكل شبه تام. وتشير مقاطع فيديو ميدانية تم توثيقها إلى عمليات تفجير ضخمة، نفذها جيش الاحتلال بعد انسحابه التكتيكي، وأسفرت عن تصاعد سحب كثيفة من الغبار والحطام، في ما يبدو أنه مخطط مُسبق لطمس معالم الحيّ بأكمله.
وقد أكدت فرق المراقبة الدولية، أن ما تم في هذه المناطق لا يمكن تفسيره ضمن مبدأ “الضرورة العسكرية”، بل يدخل ضمن نطاق “التدمير المتعمد للأعيان المدنية” وهو ما يُعد جريمة حرب وفق اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة، ما لم يكن ذلك ضروريًا للعمليات العسكرية المباشرة.
“طريق ماجن عوز”.. شريان فصل استيطاني جديد
في سياق هذا الدمار، أعلن جيش الاحتلال في وقت سابق عن افتتاح ممر بري جديد في جنوب قطاع غزة، أطلق عليه اسم “طريق ماجن عوز”، والذي يشطر مدينة خانيونس إلى قسمين: شرقي وغربي.
وبحسب بيان الجيش، فقد أنجزت الفرقة الـ36، برفقة اللواء المدرع 188 ولواء جولاني، أعمال شق الطريق في الأسابيع الماضية، في مسار بدا أنه يمر من وسط المناطق السكنية التي جرى تسويتها بالأرض. وبذلك، يكون الاحتلال قد افتتح طريقًا عسكريًا على أنقاض أحياء خانيونس، في خطوة تستحضر أساليب “الترانسفير الصامت” من خلال منع عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية، وفرض واقع ميداني جديد عبر خطوط فصل جغرافية وعسكرية.
ويرى مراقبون أن هذا الطريق ليس سوى خطوة أولى ضمن مشروع أوسع لفرض وقائع تقسيم دائم لقطاع غزة، وهو ما يعيد للأذهان سيناريو الضفة الغربية، حيث تقطّعت أوصال المدن الفلسطينية بجدار الفصل العنصري والطرق الالتفافية.
شهادات قانونية دولية تُدين الاحتلال
في مقابلات أجرتها شبكة BBC البريطانية، قال عدد من الخبراء القانونيين في مجال القانون الدولي الإنساني إن ما جرى في خانيونس يرقى إلى “جريمة حرب مكتملة الأركان”، حيث إن اتفاقية جنيف الرابعة تنص بوضوح على عدم جواز تدمير البنية التحتية المدنية من قبل قوة احتلال، إلا في الحالات الضرورية لأسباب عسكرية مباشرة، وهو ما لا يتوفر في غالبية المناطق المدمرة.
وأضاف الخبراء أن التسوية الكاملة لأحياء مثل خزاعة، وتدمير المدارس والمرافق الصحية بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، يشير إلى نية انتقامية وتدمير شامل غير مبرر، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
ومن جهته، دعا “مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة” إلى فتح تحقيق فوري في هذه الجرائم، مطالبًا بالسماح لبعثات تقصي الحقائق بالدخول إلى القطاع، ومحاسبة المسؤولين عن عمليات الهدم على المستوى العسكري والسياسي.
حين تصبح الأقمار الصناعية شاهدة على الجريمة
إن صور الأقمار الصناعية لم تعد مجرد أداة تحليل جغرافي، بل تحولت إلى “شهود عدل” في ساحات المحاكم الدولية، تقدم أدلة دامغة على الجرائم التي لا يمكن حجبها أو التلاعب في سرديتها. وتحوّل خانيونس من مدينة مأهولة إلى مدينة أشباح، هو وثيقة مرئية دامغة تكشف مشروع الاحتلال في غزة: تدمير، تهجير، إعادة ترسيم جغرافي بالقوة، وفرض واقع لا عودة فيه.
وفي ظل استمرار الصمت الدولي، يبقى السؤال: متى تتحول هذه الأدلة إلى مذكرات اعتقال ضد من دمّروا المدن على مرأى من العالم؟
اقرأ أيضًا : إدريس يعد بإعادة مؤسسات الخرطوم خلال 6 أشهر.. وسط اتهامات للإمارات بتدمير العاصمة عبر دعم المليشيات