في دلالة جديدة على عمق الأزمة التي يواجهها جيش الاحتلال في قطاع غزة، أقرّ نائب قائد لواء إسكندروني بأن حركة حماس ما تزال تحافظ على جاهزية قتالية عالية، وتواصل تحدي الوجود العسكري الإسرائيلي في ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، رغم مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة المستمرة.

وجاءت تصريحات الضابط، التي نقلتها وسائل إعلام عبرية، لتعكس تناقضًا واضحًا بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي الذي يتحدث عن “تفكيك البنية العسكرية للمقاومة”، وبين الواقع الميداني الذي يُظهر استمرار قدرة حماس على المناورة والاشتباك والمباغتة. فبينما زعم الضابط عدم وجود أنفاق تعبر إلى داخل أراضي 1948، عاد ليؤكد أن المقاومة لا تزال تشكل تهديدًا مباشرًا على طول الحدود.

هذا الاعتراف يعكس حجم الإرباك داخل المؤسسة العسكرية، ويكشف أن ما جرى الترويج له طوال الفترة الماضية لم يكن سوى محاولة لرفع معنويات الداخل الإسرائيلي، أكثر منه توصيفًا دقيقًا للوضع الميداني.

الخط الأصفر.. ساحة اشتباك مفتوحة

يشير المسؤول العسكري إلى أن “الخط الأصفر” يمثل منطقة استراتيجية لا يمكن لإسرائيل التخلي عنها، باعتباره خط تماس مباشر مع قطاع غزة، ومفتاحًا للتحكم الأمني والعسكري في محيطه. غير أن الواقع الميداني يُظهر أن هذه المنطقة تحولت إلى ساحة اشتباك مفتوحة، تستنزف قوات الاحتلال بشكل متواصل.

وبحسب رواية الضابط، شهدت المنطقة اشتباكًا ليليًا قبل أسبوعين، أسفر عن إصابة قائد سرية ونقله للعلاج، وهو ما يؤكد استمرار العمليات النوعية للمقاومة، حتى في ظل الانتشار العسكري المكثف.

هذه الحوادث المتكررة تعكس فشل سياسة “الردع” التي راهن عليها الاحتلال، وتؤكد أن الوجود العسكري في هذه المنطقة لا يحقق الأمن المنشود، بل يزيد من حجم الخسائر والضغط النفسي على الجنود.

الأنفاق.. العقدة الاستراتيجية المستمرة

ملف الأنفاق لا يزال يشكل الهاجس الأكبر لجيش الاحتلال، رغم كل ما أعلنه عن “تدمير” و”تحييد” هذه الشبكة المعقدة. فقد أقر مسؤولون عسكريون بأن الجيش لم يتمكن حتى الآن سوى من التعامل مع نحو نصف شبكة الأنفاق الممتدة أسفل القطاع.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن هذه الشبكة تتجاوز 150 كيلومترًا، ما يجعلها واحدة من أكثر البنى التحتية العسكرية تعقيدًا في تاريخ الصراعات غير المتكافئة. كما اعترف الجيش بضخ أكثر من 250 ألف متر مكعب من خليط التربة والمياه داخل الأنفاق، في محاولة لتدميرها، دون تحقيق نتائج حاسمة.

هذا الفشل يكشف محدودية الأدوات التكنولوجية الإسرائيلية، التي طالما قُدّمت باعتبارها قادرة على كشف كل ما يجري تحت الأرض، لكنه اصطدم بواقع هندسي وتنظيمي معقد طوّرته المقاومة خلال سنوات طويلة.

جاهزية حماس وأنماط القتال المتطورة

أحد أبرز ما ورد في التصريحات الإسرائيلية هو الإقرار بأن حماس تحافظ على جاهزية عملياتية عالية، وبأنماط عمل تشبه وحدات النخبة، وعلى رأسها “وحدة الرضوان” التابعة لحزب الله. هذا التشبيه يعكس حجم التطور الذي وصلت إليه الحركة على مستوى التنظيم والتخطيط والتكتيك.

ورغم أن الضابط زعم أن حماس لا تنفذ حاليًا عمليات هجومية واسعة، إلا أن استمرار الاشتباكات والكمائن والهجمات المحدودة يشير إلى اعتماد المقاومة استراتيجية “الاستنزاف طويل الأمد”، بدل المواجهات المفتوحة التي قد تستنزف قدراتها.

وتبدو هذه الاستراتيجية ناجحة إلى حد كبير، إذ تُبقي قوات الاحتلال في حالة استنفار دائم، وتمنعها من الادعاء بالسيطرة الكاملة، وتراكم خسائرها المادية والبشرية والنفسية.

تناقض الرواية الإسرائيلية والواقع الميداني

تعكس هذه التصريحات حالة من التناقض داخل الخطاب العسكري الإسرائيلي. فمن جهة، يجري الحديث عن تفوق تكنولوجي وسيطرة استخبارية شاملة، ومن جهة أخرى، يجري الاعتراف بعدم القدرة على إنهاء تهديد الأنفاق أو تحييد قدرات المقاومة.

هذا التناقض يضعف مصداقية القيادة العسكرية أمام الرأي العام الإسرائيلي، ويكشف أن الحرب لم تحقق أهدافها الأساسية، وفي مقدمتها “القضاء على حماس” أو “تفكيك بنيتها العسكرية”.

كما أن الاعتراف بالاستعداد للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل هذا الواقع الهش، يعكس سعيًا للخروج من المأزق بأقل الخسائر الممكنة، أكثر من كونه ثمرة انتصار ميداني.

صمود المقاومة وحدود القوة العسكرية

في المحصلة، تكشف تصريحات ضابط الاحتلال أن المقاومة في غزة لم تُهزم، ولم تُكسر إرادتها، بل أعادت تنظيم صفوفها، وطورت أدواتها، وفرضت معادلة استنزاف طويلة المدى على الجيش الإسرائيلي.

ورغم الدمار الهائل والحصار والضغط العسكري غير المسبوق، ما تزال حماس قادرة على فرض حضورها الميداني، وإرباك حسابات الاحتلال، ومنعه من تحقيق نصر واضح.

ويؤكد هذا الواقع أن القوة العسكرية وحدها، مهما بلغت، لا تكفي لحسم صراع مع حركة تمتلك بيئة حاضنة، وخبرة قتالية، وإرادة سياسية وعقائدية صلبة. كما يسلط الضوء على أن “الخط الأصفر” لم يعد خطًا للأمن الإسرائيلي، بل تحول إلى رمز لفشل الاستراتيجية العسكرية، وعنوان لصمود المقاومة في وجه آلة الحرب.

اقرأ أيضًا : مرضى السرطان في اليمن يدفعون ثمن الحرب والانقسام الذي تؤججه الإمارات