في بلد أنهكته الحرب، ومزّقته الانقسامات، وأرهقته التدخلات الخارجية، يعيش مرضى السرطان في اليمن واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث. فبين غياب الدولة، وتفكك المؤسسات الصحية، وتضييق سبل الحياة، يجد آلاف المرضى أنفسهم في مواجهة المرض القاتل بلا دواء، ولا رعاية، ولا أفق واضح للنجاة. وتأتي السياسات الإقليمية، وفي مقدمتها الدور الإماراتي في تعميق الانقسام وتأجيج الصراع، لتضيف طبقة جديدة من المعاناة على كاهل هؤلاء المنسيين.

أزمة صحية في بلد محطم

تشير تقديرات صحية إلى تسجيل ما لا يقل عن 30 ألف إصابة جديدة بالسرطان سنويًا في اليمن، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل تدهور البيئة الصحية وانتشار عوامل الخطر. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة في بلد تضررت فيه المستشفيات، ودُمرت فيه البنية التحتية، وتوقفت فيه معظم الخدمات الطبية الأساسية.

القطاع الصحي، الذي كان يعاني قبل الحرب من ضعف مزمن، انهار بشكل شبه كامل بعد سنوات الصراع. فالمراكز المتخصصة محدودة، والأجهزة الطبية متهالكة، والكفاءات الطبية هاجرت أو عجزت عن العمل، بينما يعجز آلاف المرضى عن الوصول إلى أبسط خدمات التشخيص والعلاج.

جهود رسمية محدودة بلا أثر فعلي

في محاولة لاحتواء الأزمة، دشّنت الجهات الرسمية فعاليات توعوية ومبادرات صحية، أبرزها أنشطة البرنامج الوطني لمكافحة السرطان، التي تهدف إلى نشر الوعي وتشجيع الكشف المبكر وتحسين الخدمات العلاجية. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها الرمزية، تبقى محدودة الأثر في ظل غياب التمويل المستدام، وضعف الإمكانيات، واستمرار النزاع.

فالسياسات الصحية لا يمكن أن تنجح في بيئة منقسمة، تخضع فيها المؤسسات لمنطق الصراع والنفوذ، بدلًا من منطق الخدمة العامة والحق في العلاج.

تحديات التشخيص والعلاج

من أبرز معاناة مرضى السرطان في اليمن، صعوبة الوصول إلى التشخيص المبكر. فالكثير من المصابين لا يكتشفون مرضهم إلا في مراحل متقدمة، بسبب ارتفاع تكلفة الفحوصات، وبعد المراكز المتخصصة، وضعف الوعي الصحي.

أما على مستوى العلاج، فالمشهد أكثر قتامة. إذ تتوفر نسبة ضئيلة جدًا من الأدوية الأساسية، فيما يعاني المرضى من انقطاع العلاج الكيماوي والإشعاعي لفترات طويلة. ويضطر كثيرون إلى بيع ممتلكاتهم أو الاستدانة للسفر إلى الخارج، بحثًا عن فرصة علاج قد لا تأتي.

مستشفى وحيد في مواجهة آلاف المرضى

في صنعاء، تم إنشاء مستشفى متخصص لعلاج الأورام، يُعدّ الوحيد من نوعه في مجال جراحة السرطان. ورغم ما يمثله من بارقة أمل، إلا أن قدرته الاستيعابية تبقى محدودة مقارنة بحجم الحاجة الوطنية.

كما أُنشئ مركز للرعاية الاجتماعية يستقبل النساء والأطفال القادمين من المناطق النائية، لكنه لا يغطي سوى جزء بسيط من الطلب المتزايد. وتظل المحافظات الأخرى شبه محرومة من الخدمات التخصصية، ما يعمّق الفجوة الصحية بين المركز والأطراف.

أرقام مفزعة وخسائر صامتة

وفق تقديرات دولية، تجاوز عدد المصابين بالسرطان منذ اندلاع الحرب مئات الآلاف، فيما تُسجل آلاف الوفيات سنويًا بسبب نقص العلاج والرعاية. هذه الأرقام تقترب في حجمها من خسائر الجبهات العسكرية، لكنها تبقى “ضحايا صامتين” لا تحظى بالاهتمام الإعلامي والسياسي الكافي.

اللافت أن كثيرًا من هذه الوفيات كان يمكن تفاديها لو توفرت الأدوية، وتم تسهيل وصول المساعدات، وجرى تحييد القطاع الصحي عن الصراع.

معضلة الطب النووي واليود المشع

من أبرز الأزمات التي يواجهها المرضى، انعدام خدمات الطب النووي، وعلى رأسها علاج وتشخيص أمراض الغدة الدرقية باستخدام اليود المشع. هذا العلاج، الذي كان متوفرًا بتكلفة معقولة، أصبح اليوم شبه معدوم داخل اليمن.

ونتيجة لذلك، يضطر عشرات المرضى سنويًا للسفر إلى دول أخرى، بتكاليف باهظة، تفوق قدرة معظم الأسر، ما يحوّل العلاج إلى امتياز للأغنياء فقط، ويحكم على الفقراء بالموت البطيء.

الانقسام السياسي ودور الإمارات

لا يمكن فصل الأزمة الصحية في اليمن عن السياق السياسي العام. فالانقسام الإداري والمؤسسي، الذي غذّته أطراف إقليمية، وفي مقدمتها الإمارات، ساهم في تفتيت النظام الصحي، وتحويله إلى ساحة صراع نفوذ.

فالدعم الإماراتي لقوى محلية متنازعة، وسياستها القائمة على ترسيخ الانقسام، أضعفا قدرة الدولة على إدارة القطاع الصحي بشكل موحد، وأديا إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وتعقيد حركة الأدوية، وإخضاع العمل الإنساني لحسابات سياسية ضيقة.

وهكذا، يدفع مرضى السرطان ثمنًا مباشرًا لهذه السياسات، التي حولت حق العلاج إلى رهينة للصراع.

مطلب إنساني يتجاوز السياسة

أمام هذا الواقع، تتصاعد المطالب بتحييد القطاع الصحي عن النزاعات، وضمان تدفق الأدوية والمستلزمات الطبية دون عوائق، وإعادة فتح المنافذ الحيوية أمام المرضى، وتسهيل سفرهم للعلاج عند الضرورة.

كما يطالب ناشطون ومنظمات إنسانية بضغط دولي حقيقي لوقف استغلال الملف الصحي كورقة سياسية، وإلزام الأطراف المتدخلة، وفي مقدمتها الإمارات، بتحمل مسؤولياتها الأخلاقية تجاه معاناة اليمنيين.

خاتمة: معركة البقاء في زمن الحرب

في اليمن، لم تعد معركة مرضى السرطان مقتصرة على مواجهة المرض، بل تحولت إلى صراع يومي ضد الفقر، والحصار، والانقسام، والتدخلات الخارجية. وبينما تستمر الحرب في استنزاف البلاد، تتآكل فرص الحياة لهؤلاء المرضى بصمت مؤلم.

إن إنقاذ مرضى السرطان في اليمن لم يعد مسألة طبية فحسب، بل قضية سياسية وأخلاقية وإنسانية، تتطلب إنهاء الانقسام، ووقف العبث الإقليمي، ووضع حياة الإنسان فوق كل الحسابات. دون ذلك، ستبقى آلاف الأرواح رهينة حرب لا ترحم، وصراع لا يرى في المريض سوى رقم جديد في سجل المآسي.

اقرأ أيضًا : الصومال يرفض التوظيف الإسرائيلي لأراضيه ويؤكد تمسكه بالسيادة والاستقرار الإقليمي