منذ اندلاع الحرب في السودان في نيسان/أبريل 2023، تتراكم الشهادات والوثائق التي تُظهر كيف تحولت الإمارات إلى شريان رئيسي يغذي مليشيا الدعم السريع بالمال والسلاح، ما جعل الصراع يطول ويزداد دموية.
ورغم نفي أبوظبي المتكرر، تكشف تصريحات ضابط استخبارات من المليشيا نفسها، إضافة إلى تقارير دولية وشهادات محلية، أن الإمارات لعبت دورًا مركزيًا في تمويل الحرب وتغذية جرائمها ضد المدنيين.

شهادة من الداخل: “الإمارات أصبحت الراعي الأول”
في مقابلة صحفية مع شبكة “سكاي نيوز”، تحدث ضابط مخابرات في قوات الدعم السريع – طلب أن يُعرف باسم “أحمد” لحماية هويته – ليكشف عن أن الإمارات حلت محل روسيا (فاغنر والدولة الروسية) كأكبر داعم للمليشيا. يقول:
“الإمارات هي من تدعم قوات الدعم السريع الآن. نحن نسيطر على مناطق الذهب، والإمارات هي السوق. العلاقة بيننا مالية بحتة”.
هذه الشهادة تعكس صلب العلاقة: ذهب مقابل سلاح وتمويل. فبينما تسيطر قوات حميدتي على مناجم ذهب ضخمة في دارفور، تفتح أبوظبي أبوابها لتجارة هذا الذهب وتعيد تدويره في شكل عتاد عسكري يرسّخ بقاء المليشيا.
خطوط الإمداد عبر تشاد: تهريب جوي وبري
بحسب الضابط “أحمد” وتقارير استخباراتية محلية، تصل شحنات السلاح إلى قوات الدعم السريع عبر مسارين رئيسيين:
-
المسار الجوي:
- طائرات محمّلة بالأسلحة تهبط في مطار نيالا بجنوب دارفور.
- رحلات أخرى تهبط في مطار “أم جرس” شمال تشاد، الذي تحوّل إلى قاعدة إمداد رئيسية للمليشيا.
-
المسار البري:
- قوافل تمر من مدينة أبشي التشادية، ثم عبر معبر “أدري” وصولًا إلى غرب دارفور.
-
وثقت فيديوهات مسرّبة شاحنات مغطاة بالشوادر تعبر ليلًا الحدود، وقوافل سيارات دفع رباعي جرى طلاؤها بألوان الدعم السريع قبل تحويلها لآليات عسكرية.
هذه الإمدادات، وفق صور أقمار صناعية نشرها معمل ييل للأبحاث الإنسانية، مكّنت المليشيا من تشديد حصارها على مدينة الفاشر، آخر عاصمة لإقليم دارفور لا تزال تحت سيطرة الدولة. ويعيش نحو مليون شخص هناك تحت حصار خانق، يترافق مع قصف يومي بالطائرات المسيّرة والمدفعية.
أرقام تكشف المستور: 248 رحلة مثيرة للجدل
البيانات المتاحة توضح حجم التدخل الإماراتي:
-
86 رحلة جوية موثقة من الإمارات إلى مطار أم جرس حتى كانون الأول/ديسمبر 2024.
-
248 رحلة إضافية بين تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وشباط/فبراير 2025، بحسب رسالة رسمية من الخرطوم إلى مجلس الأمن.
-
تقارير أممية أشارت إلى استخدام طائرات “إليوشن” للشحن العسكري، كثير منها حاول التملص من الرقابة الجوية.
ورغم أن لجنة الخبراء الأممية لم تُدرج أدلة قاطعة في تقريرها النهائي، فإن نمط الرحلات وتكرارها يثير شبهة قوية حول طبيعة الدعم. مواقع مراقبة مستقلة مثل “AfriMEOSINT” رصدت أيضًا رحلات مباشرة من قاعدة “الريف” في أبوظبي إلى مطارات تشادية عسكرية.
الفاشر كنموذج: المدنيون بين الموت والجوع
الأثر المباشر لهذا الدعم يتمثل في الكارثة الإنسانية داخل السودان. ففي الفاشر، يستخدم الدعم السريع الأسلحة المُهرّبة لتشديد قبضته على السكان.
-
القصف اليومي يطال المستشفيات والأسواق.
-
الحصار الغذائي دفع بعض السكان لتناول أعلاف الحيوانات.
-
انقطاع الخدمات من ماء وكهرباء زاد من عمق المأساة.
بذلك، يصبح الدعم الإماراتي ليس مجرد شأن سياسي أو اقتصادي، بل عاملًا مباشرًا في قتل وتجويع ملايين السودانيين.
نفي إماراتي.. لكن الوقائع أبلغ
في مواجهة هذه الاتهامات، أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بيانًا نفت فيه “بشكل قاطع” تقديم أي نوع من الدعم لأي طرف من أطراف النزاع، مؤكدة أنها تدعم جهود وقف إطلاق النار وحماية المدنيين. واعتبرت أن ما يُنشر من اتهامات هو “بروباغندا من سلطات بورتسودان”.
غير أن هذا النفي يصطدم بكمّ هائل من الأدلة الميدانية: شهادات ضباط، وثائق أممية مسرّبة، بيانات تعقّب الرحلات، وفيديوهات على الحدود. بل إن المليشيا نفسها لا تُنكر العلاقة المالية مع أبوظبي.
قراءة تحليلية: الإمارات كفاعل إقليمي خبيث
يكشف هذا الملف أن دور الإمارات في السودان ليس استثناءً، بل استمرارًا لسياساتها في ليبيا واليمن، حيث تتدخل عبر أذرع عسكرية وتمويل مليشيات مقابل مصالح اقتصادية وجيوسياسية. في السودان، تبدو دوافع أبوظبي واضحة:
-
السيطرة على الذهب عبر صفقات مع الدعم السريع.
-
تعزيز نفوذها الإقليمي عبر ورقة المليشيات.
-
إضعاف الدولة السودانية ومنع أي حكومة مدنية مستقرة قد تُهدد مصالحها.
هذه الاستراتيجية، وإن كانت تحقق مكاسب سريعة للإمارات، فإنها تزرع بذور انهيار طويل المدى في السودان، وتفتح الباب لمزيد من الحروب الأهلية والانقسامات.
خاتمة: الخراب بتمويل خارجي
تصريحات ضابط مخابرات من “الدعم السريع” ليست مجرد تسريب عابر، بل تأكيد جديد على أن الإمارات تلعب دورًا خبيثًا في تدمير السودان. وبينما يصرّ مسؤولوها على لغة “السلام” و”الإنسانية”، تواصل طائراتها نقل السلاح إلى مليشيا متهمة بارتكاب جرائم إبادة وتطهير عرقي.
إن استمرار هذا النمط يهدد بتحويل السودان إلى دولة فاشلة بالكامل، ويكشف عن حجم التناقض بين خطاب أبوظبي في العلن وممارساتها في الخفاء، حيث يتقاطع المال والدم في مشروع واحد: إعادة تشكيل الإقليم على أنقاض الشعوب.
اقرأ أيضًا : العفو الدولية تفضح الشركات الداعمة للإبادة في غزة: أرباح على حساب الدم الفلسطيني