في تطور لافت يعكس توجهات المرحلة الانتقالية في سوريا نحو تفكيك إرث النظام السابق، أفاد مراسل الجزيرة باعتقال العميد عبد الكريم أحمد الحمادة، أحد أبرز المقربين من ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وجاءت هذه الخطوة متزامنة مع ضبط شحنة مخدرات كبيرة كانت متجهة نحو العراق، ما يعكس استمرار تورط عناصر النظام البائد في شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
الحدث يأتي ضمن سياق أوسع من “حملات تطهير أمني” أطلقتها حكومة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، في إطار إعادة هيكلة الدولة وتفكيك مراكز الفساد والولاءات المرتبطة بالعهد السابق.

العميد الحمادة: الرجل الذي عرف دهاليز النظام وممرات التسوية
العميد عبد الكريم الحمادة ليس مجرد ضابط رفيع في جهاز الأمن، بل يُعتبر أحد أبرز العقول الأمنية التي أدارت ملفات التسوية والتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، خصوصاً في مناطق دير الزور خلال سنوات الحرب.
ووفق ما أعلنت محافظة دير الزور، فإن الحمادة كان يشرف على إدارة مصالحات محلية سمحت بعودة آلاف المقاتلين السابقين تحت مظلة “العفو العام” للنظام، في حين كان يعمل، حسب مصادر متعددة، على تسهيل تحركات الميليشيات الإيرانية وتهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود.
اعتقال الحمادة يكشف عن سياسة جديدة تتبعها حكومة أحمد الشرع، تقوم على كسر شبكة الولاءات الأمنية التي كانت بمثابة العمود الفقري للنظام البعثي.
كما أنه يحمل رسالة واضحة بأن التعامل السابق مع إيران وميليشياتها لم يعد مقبولاً، وهو ما يفسر الصمت الإيراني حتى الآن تجاه هذا الاعتقال، وسط ترجيحات بأن طهران تنظر إليه كمؤشر خطر على نفوذها المتآكل في سوريا الجديدة.
شحنات الكبتاغون والتهريب
بالتوازي مع عملية الاعتقال، أعلنت محافظة حلب عن ضبط شحنة ضخمة من المخدرات، كانت في طريقها إلى العراق، وتم توقيف المروجين المسؤولين عنها.
وتشير المعطيات إلى أن هذه ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من عمليات التهريب التي كان يديرها النظام المخلوع، حيث أصبحت تجارة الكبتاغون بمثابة شريان اقتصادي بديل لعائلة الأسد بعد خسارتها السيطرة على موارد الدولة.
وبحسب تقديرات رسمية بريطانية، كان نظام الأسد السابق ينتج نحو 80% من كبتاغون العالم، وهو ما منح عائلة الأسد أرباحًا سنوية تقدر بـ2.4 مليار دولار من أصل سوق عالمي يبلغ 10 مليارات دولار.
هذا الاقتصاد الموازي لم يكن ليزدهر دون الغطاء الأمني والعسكري لعناصر رفيعة من النظام، كالعميد الحمادة، ما يعزز من فرضية ارتباطه بشحنة المخدرات الأخيرة.
ويأتي ضبط هذه الشحنة بعد أقل من أسبوعين على مؤتمر “سوريا ودول الجوار” الذي انعقد في الأردن، حيث تم التأكيد على ضرورة مكافحة تهريب المخدرات والسلاح والجريمة العابرة للحدود، وهو ما يعكس دعماً إقليمياً لحكومة الشرع في حملتها الأمنية.
حملات التطهير الشاملة: حكومة الشرع تبني دولة ما بعد الأسد
منذ توليه السلطة في يناير/كانون الثاني الماضي، أطلق الرئيس الانتقالي أحمد الشرع حزمة قرارات وصفت بـ”الثورية”، شملت حل الأجهزة الأمنية السابقة، حل البرلمان وحزب البعث، إلغاء العمل بالدستور القديم، وتأسيس إدارة عسكرية ومدنية جديدة للدولة.
وامتدت هذه الإجراءات إلى الميدان الأمني، حيث تم إطلاق “حملات تطهير” واسعة لملاحقة المتورطين في قضايا فساد، تهريب، وارتباطات خارجية تهدد الأمن القومي السوري.
وقد أعلنت وزارة الداخلية تسلم أسلحة من وجهاء قريتي البودي والقلايع بريف جبلة في محافظة اللاذقية، ضمن جهود حصر السلاح بيد الدولة، بينما تم ضبط مستودع أسلحة في القرداحة – معقل عائلة الأسد – في خطوة رمزية تشير إلى انهيار “الجدار الأمني” الذي كان يحمي النظام.
حملات الشرع تحظى حتى الآن بدعم شعبي وإقليمي ملحوظ، لكنها في الوقت ذاته تفتح على تحديات كبيرة، خاصة في ظل وجود خلايا نائمة، وشبكات فساد تمتد عبر المحافظات السورية وخارج الحدود. لكن الرسالة باتت واضحة: لا حصانة لأحد، مهما كانت رتبته أو قربه من “آل الأسد”.
سوريا تُطهر جراحها.. فهل تنجح في بناء الجمهورية الجديدة؟
تطورات الأيام الأخيرة – من اعتقال ضباط كبار إلى تفكيك شبكات التهريب – تشير إلى دخول سوريا فعليًا في مرحلة جديدة، تقوم على تفكيك إرث العائلة الحاكمة التي استمرت لأكثر من نصف قرن.
نجاح هذه المرحلة مرهون بقدرة حكومة الشرع على المضي قدمًا في مسار العدالة الانتقالية، واستعادة الثقة الشعبية، وبناء مؤسسات أمنية واقتصادية لا ترتبط بالولاء الطائفي أو الخارجي، بل بالدولة نفسها.
الاعتقال الأخير ليس مجرد حدث أمني، بل علامة فارقة في مسار “تفكيك الدولة العميقة”، ويبدو أن حكومة الشرع عازمة على استكمال المهمة حتى النهاية.
اقرأ أيضًا : سلاف فواخرجي.. ممثلة سورية تواصل تلميع نظام الأسد وتبرر أفظع السجون في العالم