في زمن صار فيه التفوق تهمة، والالتزام الديني شبهة، والانتماء الفلسطيني جريمة تستوجب العقاب، يخوض الطالب الفلسطيني مالك نضال أبو سنينة، 21 عامًا، فصلاً مأساويًا من فصول القمع الذي تمارسه السلطات المصرية بحق الأبرياء، وخاصة المقيمين الفلسطينيين.

فبعد مرور أكثر من 90 يومًا على اختطافه القسري من قبل جهاز الأمن الوطني المصري، لا تزال الحكومة تلتزم الصمت المريب، وتنكر أي علم بمصيره، بينما تتوالى الشهادات التي تفضح كذبها وتكشف حجم الانتهاك. 

هذه الواقعة ليست مجرد حالة فردية، بل تمثل عرضًا مكثفًا لأزمة حقوقية تتفاقم في عهد عبد الفتاح السيسي، الذي حول مصر إلى سجن كبير، يُدار بمنطق القبضة الأمنية والتواطؤ الإقليمي.

القصة كما رواها الشهود: اقتحام واختفاء وإنكار ممنهج

في 28 أيار/مايو الماضي، داهمت قوة تابعة لجهاز الأمن الوطني المصري محل سكن الطالب مالك في مدينة المنصورة، حيث يدرس في الفرقة الثالثة بكلية الطب في جامعة المنصورة، ويقيم هناك بعيدًا عن أهله في فلسطين المحتلة. وفقًا لتقارير موثقة من الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، لم يكن هناك أي أمر قضائي، ولم تُذكر أية اتهامات، فقط اقتياد قسري إلى جهة غير معلومة.

شهادات زملائه، الذين كانوا حاضرين أثناء المداهمة، أكدت أن رجال الأمن استخدموا العنف خلال اقتياده، وسط صراخ وذهول، ولم يُفصحوا عن وجهتهم أو أسباب الاعتقال. منذ ذلك الحين، اختفى مالك تمامًا، ولم يُعرض على أي جهة تحقيق، في انتهاك صارخ للدستور المصري، الذي يُفترض أنه يكفل حرية الفرد وسلامته، بل والأخطر من ذلك أن مصر وقعت منذ عام 2010 على “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري”، لكنها تُمارس عكس ما وقّعت عليه تمامًا.

السلطات، ممثلة في جهاز الأمن الوطني، تنكر كليًا وجوده في حوزتها، بل ترفض التعليق أو إعطاء أي معلومات لعائلته، التي تعيش حالة من الرعب والترقّب، وتلقت تجاهلًا متعمدًا من قبل مكتب النائب العام المصري، رغم إرسال شكاوى وبلاغات قانونية رسمية.

تحليل سياسي: حين يتحول الفلسطيني إلى ضحية قمع مزدوج

مالك ليس مجرد طالب طب متفوق، بل هو أيضًا طالب علوم شرعية في جامعة الأزهر، معروف بين أساتذته وزملائه بالأخلاق والجدية والتميز. لكن في ظل النظام الحالي، باتت هذه الصفات عبئًا وخطرًا على “الأمن القومي”، خصوصًا إن كان صاحبها فلسطينيًا.

ما يجري بحق مالك يفضح جانبًا من سياسة السيسي تجاه الفلسطينيين المقيمين في مصر، وهي سياسة لا يمكن فصلها عن علاقاته الوثيقة مع الاحتلال الإسرائيلي. فالتضييق على الفلسطينيين، وملاحقة نشطائهم، وغلق معبر رفح لفترات طويلة، والتواطؤ مع الحصار، ورفض إدخال مساعدات لغزة في كثير من الأحيان، كلها خطوات تشير إلى نهج مدروس يخدم مصالح الاحتلال، على حساب إنسانية الشعب الفلسطيني.

تسريبات عديدة وتقارير استخباراتية أكدت تعاونًا غير مسبوق بين النظام المصري وأجهزة الأمن الإسرائيلية في ملف “مراقبة الفلسطينيين”، خاصة من يحملون توجهات إسلامية أو لديهم روابط بدعوات المقاومة. ومن هنا، فإن اختفاء مالك أبو سنينة لا يبدو معزولًا عن هذا السياق، بل قد يُنظر إليه باعتباره “رسالة تخويف” لفلسطينيي مصر، ولأولئك الذين لا يزالون يتمسكون بدور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية.

صمتٌ دوليٌ مشين.. ودعوات حقوقية تتصاعد

رغم تصاعد الدعوات الحقوقية للكشف عن مصير مالك، لم يصدر عن المنظمات الدولية سوى بيانات خجولة حتى اللحظة. الشبكة المصرية لحقوق الإنسان طالبت كلًا من هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية بالتحرك الفوري، ليس فقط لمتابعة قضية مالك، بل لفضح وتوثيق النمط المتكرر من حالات الإخفاء القسري في مصر.

وفقًا لتقارير موثقة، فإن مصر شهدت ما يزيد عن 3000 حالة إخفاء قسري منذ انقلاب السيسي عام 2013، بينهم قُصّر، ونساء، وأجانب، وناشطون سياسيون. وما يزيد الأمر خطورة، هو تواطؤ المؤسسة القضائية، التي تحوّلت إلى ذراع تنفيذية للأجهزة الأمنية، بدلًا من أن تكون حامية للحقوق والعدالة.

ومع تزايد الضغوط على النظام المصري بسبب ملفه الحقوقي المتدهور، خصوصًا مع اقتراب اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فإن قضية مالك قد تشكل نقطة انطلاق جديدة لتحريك ملف الإخفاء القسري دوليًا، وربما الضغط لإعادة النظر في الدعم الدولي غير المشروط الذي يحصل عليه نظام السيسي، وخصوصًا من الولايات المتحدة وأوروبا.

خاتمة: من يكشف مصير مالك؟ وهل يتكرر السيناريو مع آخرين؟

قضية مالك نضال أبو سنينة لا يجب أن تُنسى أو تمر مرور الكرام، فصمتنا هو ما يُطيل أمد الظلم. هي ليست قضية فلسطيني فقط، بل قضية كل إنسان حر يرفض أن يُختطف الشباب من بيوتهم دون وجه حق، وأن تُطمس الحقيقة تحت جنازير الدولة البوليسية.

في مصر السيسي، صار الخوف سيدًا، والصمت تواطؤًا، والحقائق تُدفن في أقبية الأمن الوطني. لكن صوت الشهود، وصرخات الأمهات، وتوثيق الحقوقيين، كلها أسلحة لمواجهة آلة الإخفاء. وربما يكون مالك واحدًا من مئات، لكن كشف قضيته قد يكون البداية لكسر حاجز الخوف، ومواجهة منظومة لا تخشى القانون، بل تستمد شرعيتها من التغوّل والتنسيق الأمني مع المحتل.

اقرأ أيضًا : جنوب أفريقيا تنتفض أمام سفارة الإمارات: لا لتمويل الإبادة في غزة