في مشهد متكرر يعكس عمق الأزمة داخل الكيان الإسرائيلي، خرجت عائلات الأسرى المحتجزين في قطاع غزة لتتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأنه يضحّي بأبنائهم من أجل بقائه السياسي. 

هذه الاتهامات لم تعد مجرد شعارات غاضبة في الشوارع، بل تحولت إلى خطاب متماسك يعكس قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي بأن الحكومة الحالية لا تكترث بمصير الجنود والمدنيين المحتجزين لدى المقاومة، بقدر ما تسعى إلى إطالة أمد الحرب لإبقاء نتنياهو على كرسيه.

 

مأساة الأسرى تتحول إلى قضية سياسية داخلية

العائلات المحتشدة أمام منزل نتنياهو في القدس المحتلة رفعت شعارات قاسية مثل “حكومة الإهمال” و”دم أبنائنا ليس وقوداً لحكمك”. إحدى الأمهات عبّرت بوضوح عن هذه المأساة حين قالت: “اليوم هو اليوم الـ715 الذي يعيش فيه أبناؤنا جحيماً في أنفاق غزة، بينما رئيس الحكومة يتفرج”. هذا التصعيد الكلامي يعكس إدراكاً متزايداً لدى العائلات بأن رئيس الحكومة يضع حساباته السياسية فوق أي اعتبار إنساني أو وطني.

كما أن العائلات اتهمت نتنياهو بأنه يعرف تماماً أن أي اجتياح بري لقطاع غزة قد يعرّض حياة الأسرى للخطر، لكنه يتعمد المضي في هذا الخيار ليكسب الوقت ويؤجل استحقاقات داخلية، أبرزها التحقيقات المتعلقة بملفات الفساد والضغوط السياسية المتنامية لإسقاط حكومته. وهكذا، تحولت قضية الأسرى من ملف إنساني بحت إلى ساحة مواجهة سياسية مكشوفة بين الحكومة وأسر الجنود.

الانقسام الداخلي في إسرائيل: حرب على الشرعية

اتهامات العائلات لنتنياهو تسلط الضوء على الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي. فبينما تصر الحكومة على أن “الحسم العسكري” هو الطريق الوحيد لضمان أمن الكيان، ترى عائلات الأسرى أن هذه الاستراتيجية ليست سوى “مغامرة قاتلة” تُهدد حياة أبنائهم.

هذا الانقسام لا يقف عند حدود العائلات، بل يمتد إلى الشارع الإسرائيلي بأسره. فهناك مظاهرات أسبوعية في تل أبيب والقدس، بعضها يطالب بصفقة تبادل فورية مع حماس، وأخرى تهاجم حكومة نتنياهو وتصفها بأنها “الأسوأ في تاريخ إسرائيل”. هذه الحالة من الغليان الداخلي تؤكد أن الحرب المستمرة على غزة لم تعد مجرد مواجهة مع المقاومة، بل أصبحت معركة داخلية على مستقبل الحكم في إسرائيل.

المقاومة تنجح في ضرب الداخل الإسرائيلي من الداخل

اللافت أن هذه الأزمة الداخلية تعكس نجاحاً استراتيجياً للمقاومة الفلسطينية. فبدلاً من أن تبقى المواجهة محصورة في حدود غزة، نجحت المقاومة في نقل المعركة إلى قلب المجتمع الإسرائيلي، عبر استخدام ورقة الأسرى كعامل ضغط يُفجر الخلافات الداخلية.

فعمليات المقاومة لم تقتصر على تكبيد الاحتلال خسائر عسكرية، بل أدت إلى حالة من الصراع المجتمعي: حكومة تُتهم بالتفريط بأرواح الجنود، عائلات تنظم احتجاجات متواصلة، ومعارضة سياسية تستثمر الأزمة لزيادة الضغط على نتنياهو. بهذا المعنى، المقاومة لم تعد تواجه إسرائيل بالسلاح فقط، بل نجحت في جعل الإسرائيليين يصطدمون ببعضهم البعض، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة في حالة حرب.

بين صفقة محتملة وحرب بلا نهاية

من وجهة نظر العائلات، هناك فرصة حقيقية لإبرام صفقة تبادل أسرى تُنهي المعاناة. فهم يرون أن الوسطاء الإقليميين والدوليين طرحوا مقترحات جدية، لكن نتنياهو يرفضها لأنه يخشى أن تؤدي إلى انهيار تحالفه السياسي. على الجانب الآخر، يصر نتنياهو على أن أي صفقة مع حماس تعني انتصاراً سياسياً للمقاومة وتآكلاً لمفهوم “الردع الإسرائيلي”.

هذا التعارض بين منطق السياسة ومنطق الإنسانية يجعل مستقبل الأسرى معلقاً بين خيارين: إما اتفاق شامل يُعيد الأسرى إلى ذويهم، أو استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، مع ما تحمله من مخاطر على حياة الجنود والمحتجزين المدنيين.

خاتمة: نتنياهو في مواجهة التاريخ

ما يجري اليوم يضع نتنياهو أمام معادلة صعبة: إذا أصر على مواصلة الحرب، سيُتهم بأنه ضحّى بأبناء إسرائيل لحماية نفسه، وإذا وافق على صفقة تبادل، فسيواجه اتهامات بالضعف والانكسار أمام المقاومة. وفي الحالتين، باتت صورته مهزوزة أمام الرأي العام الإسرائيلي والدولي.

العائلات، بصرخاتها واحتجاجاتها، نجحت في تحويل قضية الأسرى إلى عنوان رئيسي يُهدد بقاء الحكومة. أما المقاومة، فقد حققت اختراقاً استراتيجياً بجعل الداخل الإسرائيلي ساحة معركة لا تقل خطورة عن جبهات غزة. وهكذا، يبدو أن نتنياهو، الذي طالما قدّم نفسه كـ”حامي أمن إسرائيل”، قد يجد نفسه في كتب التاريخ ليس كقائد منتصر، بل كزعيم ضحّى بأبناء شعبه ليبقى في الحكم.

اقرأ أيضًا : عباس يُذل في الأمم المتحدة.. خطاب بالفيديو بعد منعه من التأشيرة