على مقربة من السياج الفاصل مع قطاع غزة، وتحديدًا قبالة مستوطنة “نير عوز”، تجمّع عشرات من ذوي الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى فصائل المقاومة في غزة، في وقفة احتجاجية مؤثرة لم تطالب فقط بالإفراج عن أبنائهم، بل شكّلت تحديًا مباشرًا لحكومة بنيامين نتنياهو، ولسياسات الحرب التي باتت تهدد الداخل الإسرائيلي أكثر مما تُحقق أهدافها.
صور الأسرى المرفوعة، والهتافات التي دوّت عند الحدود، لم تكن مجرد نداءات إنسانية، بل صرخة سياسية تضرب في صميم سردية “النصر” التي يروّج لها نتنياهو.

تصدّع الرواية الرسمية: حكومة بلا خطة
الرسائل التي وجّهتها عائلات الأسرى لم تكتفِ بتسليط الضوء على معاناتها، بل حمّلت الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها نتنياهو، مسؤولية إطالة أمد الأزمة وتعقيد فرص الإفراج عن الأسرى، في ظل غياب رؤية واضحة.
المنتدى الرسمي لعائلات الأسرى وجّه بيانًا صريحًا قال فيه إن “نتنياهو لا يملك خطة، كل ما سمعناه منه هو ما لا يجب فعله”. وبكلمات لا تخلو من التحدي، دعا المنتدى إلى صفقة شاملة تعيد الأسرى، حتى وإن تطلب ذلك وقف الحرب.
هذا الخطاب من ذوي الأسرى لم يأتِ من فراغ، بل يعكس حالة من الانقسام المتصاعد داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة مع فشل الحكومة في تقديم نتائج ملموسة بعد أكثر من ستة أشهر من الحرب، ومع تنامي الشعور بالعجز أمام قدرة حماس على الصمود وفرض معادلاتها.
بين “نصر” نتنياهو و”صفقة” الشعب: من يملك القرار؟
رد نتنياهو لم يتأخر، لكنّه كان ردًا على جبهة أخرى تمامًا. فبدلًا من الانفتاح على خيار التهدئة أو استيعاب مطالب الشارع، مضى رئيس الوزراء في تهديداته، معلنًا أن الحرب ستتواصل حتى “القضاء على حماس”، مؤكدًا أنه أوعز للجيش بزيادة الضغط.
لكن اللافت في كلمته أنها لم تتطرق بأي شكل إلى قضية الأسرى، ما جعلها تبدو كأنها تتجاهل المعاناة الداخلية وتغذّي فقط خطاب المواجهة.
في المقابل، كانت كلمات أهالي الأسرى على الحدود تمثل ما يشبه الاستفتاء الشعبي المضاد. قالت إحدى الأمهات: “جئنا إلى النقطة التي خُطف منها أبناؤنا لنقول بوضوح: كفى لهذه الحرب التي لا تنقذهم، بل تقتلهم مرتين”. وبينما رفع آخرون صور أبنائهم، طالبوا بإقالة نتنياهو، واصفين حكومته بالعاجزة عن تأمين الحد الأدنى من المسؤولية الوطنية.
المقاومة تُحدث شقًا في الداخل الإسرائيلي
تأتي هذه التحركات في وقت تُظهر فيه المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، قدرة على التأثير في الداخل الإسرائيلي ليس فقط من خلال العمليات العسكرية، بل أيضًا من خلال ملف الأسرى، الذي بات ورقة ضاغطة تُربك السياسة الإسرائيلية وتُقسّم المجتمع.
نجحت المقاومة عبر احتفاظها بعدد غير معروف بدقة من الجنود والمدنيين الإسرائيليين منذ السابع من أكتوبر، في أن تحوّل هذا الملف إلى قنبلة اجتماعية وسياسية، تشعل كل وقفة احتجاجية في تل أبيب والقدس وحيفا، وصولًا إلى حدود غزة نفسها.
فالمعادلة التي تطرحها المقاومة واضحة: إما صفقة تبادل مشرفة، أو مزيد من الضغط السياسي في الداخل الإسرائيلي. وقد بدأت هذه المعادلة تُحدث صداها، حيث تتكاثر دعوات “الصفقة الآن”، على حساب سردية “النصر الكامل”.
حرب تُطيل الأسر.. أم صفقة تُنهي الحرب؟
تُطرح اليوم أسئلة جديّة داخل المجتمع الإسرائيلي حول جدوى استمرار العمليات العسكرية، بعد أن تبيّن أن القتال لم يُسهم في تحرير الأسرى بل ربما زاد من تعقيد وضعهم. ويخشى أهالي الأسرى، كما قالت إحدى المتظاهرات، أن “كل قذيفة تُلقى على غزة قد تُغلق بابًا للعودة”.
كما أن الحرب التي يخوضها نتنياهو على أكثر من جبهة (سياسية، داخلية، وعسكرية) أصبحت عبئًا على حكومته، إذ بدأت تتجلى آثارها في العلاقات مع الولايات المتحدة، وفي التراجع الاقتصادي، والأهم، في تصاعد الاحتجاجات الشعبية.
وبات من الواضح أن معسكر “الصفقة” داخل “إسرائيل” يتوسع، وأن المجتمع بات أكثر استعدادًا لقبول تسوية شاملة، حتى لو تضمنت وقف الحرب، مقابل استعادة أبنائه المحتجزين. وهو ما يمثل اختراقًا للموقف الرسمي المتشدد، الذي يرفض أي مفاوضات بدون شروط مسبقة.
خلاصة: المقاومة تربح بالنقاط
في ظل غياب رؤية سياسية للحكومة الإسرائيلية، وازدياد الغضب الشعبي، تُسجّل المقاومة الفلسطينية نقطة استراتيجية جديدة. فقد تحولت قضية الأسرى من ورقة تفاوض إلى أزمة داخلية تهز استقرار القرار الإسرائيلي. وبقدر ما يظهر نتنياهو حرصه على استمرار المعركة، فإن الواقع يُظهر أن الحرب بدأت تستهلك ما تبقى من ثقة الجمهور.
الوقفة التي جرت على حدود غزة، ليست مجرد وقفة احتجاجية، بل ناقوس خطر سياسي، ورسالة مزدوجة: للمجتمع الإسرائيلي بأن “العدو” بات يمتلك ما يُقسم داخلكم، وللعالم أن ثمن الحرب لا تدفعه غزة وحدها، بل تتجرعه تل أبيب أيضًا.