في خطوة لافتة، أصدرت عائلات أربعة شبان أردنيين معتقلين ضمن ما سُمي بـ”خلايا الدرون” بيانا حادّ اللهجة، فضحوا فيه ما وصفوه بمحاولة الأجهزة الأمنية تضخيم القضية وتشويه أبنائهم دون أدلة، وسط تصاعد التوترات السياسية في البلاد.

يأتي هذا في ظل استعداد مجلس النواب الأردني لعقد جلسة مرتقبة لمناقشة تبعات هذه القضايا، وسط أنباء عن توجه رسمي نحو تصفية الحياة الحزبية، خاصة حزب جبهة العمل الإسلامي، الذي يُعد الامتداد السياسي الأكبر لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن.

بيان العائلات: محاولة لإعادة الحقائق إلى نصابها

خرجت عائلات المعتقلين عبد العزيز هارون، علي قاسم، أحمد خليفة، وعبد الله الهدار، ببيان واضح، أكدوا فيه أن أبناءهم لا علاقة لهم لا بجماعة الإخوان المسلمين، ولا بالمقاومة الفلسطينية، ولا بأي جهة خارجية، رافضين ما وصفوه بـ”الخلط المتعمد” الذي قامت به الحكومة بين قضايا مختلفة.

وأكد البيان أن ما جرى ليس سوى دردشات أكاديمية ونقاشات علمية بين مهندسين متفوقين في مجال الطيران والتقنيات الحديثة، لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى “مشروع تخريبي” أو “تهديد للأمن القومي”، كما حاولت المخابرات الأردنية تصويره. 

وأضاف البيان أن الحكومة فشلت في تقديم أي دليل مادي يربط هؤلاء الشبان بتصنيع طائرات مسيرة بقصد استخدامها لأهداف غير قانونية، متسائلين: “هل أصبح التفكير العلمي في الأردن تهمة؟”.

وفي صياغة لافتة، قالت العائلات إن أبناءهم “لم تكن لهم صلة بأي طرف في فلسطين المحتلة”، واصفة هذا الشرف بـ”الشرف الذي لا ندعيه”، في رسالة مزدوجة تحمل معاني التقدير للمقاومة، والتبرؤ في الوقت ذاته من تهمة لا أساس لها.

البرلمان في مواجهة العاصفة.. والأنظار على الملك

البيان العائلي، وإن كان حقوقيًا في جوهره، إلا أنه فتح بابًا واسعًا للنقاش السياسي، حيث يستعد مجلس النواب الأردني لعقد جلسة الإثنين، هي الأولى منذ إعلان المخابرات عن كشف “خلايا مسلحة تمس الأمن الوطني”. 

وتشير تسريبات إلى أن أكثر من 70 نائبًا اجتمعوا، لبحث ما إذا كان من الممكن اتخاذ إجراءات ضد 31 نائبا من حزب جبهة العمل الإسلامي، في خطوة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية داخل البرلمان.

ويبدو أن النظام الأردني، بقيادة الملك عبد الله الثاني، يستخدم القضية لتوجيه ضربة سياسية مزدوجة: أولًا، لضرب جماعة الإخوان المسلمين تحت ذريعة “الارتباط بخلايا مشبوهة”، وثانيًا، لحرف الأنظار عن الأزمات الداخلية، الاقتصادية والاجتماعية، التي تعصف بالبلاد.

وتداولت وسائل إعلام محلية أنباءً عن إمكانية حل مجلس النواب بقرار من الملك، في حال تصاعدت التوترات، بل وحتى التوجه لحظر حزب جبهة العمل الإسلامي، كما جرى في فترات سابقة، الأمر الذي لم تُصدر الحكومة بشأنه أي تأكيد أو نفي حتى اللحظة.

الأردن.. بين قمع الداخل وخيانة قضايا الأمة

ما يثير التساؤلات ليس فقط ما جرى في غرف التحقيق أو بث اعترافات مشكوك فيها على التلفزيون الرسمي، بل السياق العام الذي تتحرك فيه الدولة الأردنية. 

فالنظام الذي يفترض به أن يكون في خندق الدفاع عن القضية الفلسطينية، بات اليوم يلاحق شبابًا لمجرد أنهم فكروا نظريًا في تقنيات الطائرات المسيرة، وهي أدوات باتت عنوانًا للمقاومة الحديثة ضد الاحتلال.

الملك عبد الله الثاني، الذي يقدّم نفسه دومًا كمدافع عن القدس والمقدسات، يواصل التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، ويغض الطرف عن اقتحامات المسجد الأقصى، في مقابل تضييق الخناق على أي نشاط داخلي قد يُفهم على أنه تعاطف مع المقاومة.

بل إن الأردن، وفي أكثر من محطة، لعب دور “الممر الآمن” لتهدئة المقاومة الفلسطينية لصالح الاحتلال، سواء عبر التنسيق مع مصر، أو عبر الضغط على حركات المقاومة في غزة لتمرير صفقات تهدئة مشبوهة.

من التجريم إلى التبرير.. حين يتحوّل التفكير العلمي إلى تهمة

اللافت في بيان العائلات أن الدفاع لم يكن سياسيا بقدر ما كان علميا، إذ أكدوا أن أبناءهم ناقشوا “فكرة الطائرة المسيّرة” من باب الاستكشاف العلمي، لا الاستخدام العسكري. 

وفي هذا السياق، تتحول التخصصات الأكاديمية في عالمنا العربي إلى عبء، حين تُقابل بالإدانة والشك بدلا من الدعم.

ففي ظل نظام بوليسي مغلق كهذا، يصبح كل نشاط خارج المألوف مصدر تهديد، وكل عقل مبدع مشروع معتقل. وهو ما يجعل من هذه القضية محطة جديدة تكشف هشاشة الخطاب الأمني الرسمي، وتفضح مساعي الدولة لكتم أي صوت مختلف، حتى لو كان من قلب الجامعات والمخابر.

خاتمة: هل يفجر البرلمان أزمة أكبر؟

في ظل هذه التطورات، تتحول جلسة البرلمان المقبلة إلى لحظة مفصلية: فإما أن يرضخ المجلس للضغوط السلطوية ويعزز القمع باسم الأمن، أو أن تتجرأ بعض الأصوات المستقلة على مساءلة الدولة، والدفاع عن مبدأ سيادة القانون.

وفي الحالتين، فإن ما جرى يكشف عن عمق الأزمة السياسية في الأردن، ويؤكد أن النظام الملكي، الذي يتشدق بدوره في “الوصاية الهاشمية” على القدس، بات جزءًا من منظومة قمعية إقليمية تحارب أي تعاطف مع فلسطين، وتخشى من تطور وعي الأجيال الجديدة.

اقرأ أيضًا : المقاومة تُحدث شرخًا داخليًا.. احتجاجات الأسرى تربك حسابات نتنياهو