في مشهد يُلخص حجم الألم الذي تعيشه غزة تحت القصف الإسرائيلي المتواصل، فُجعت الطبيبة الفلسطينية آلاء النجار مجددًا، بعدما أعلنت وزارة الصحة في القطاع، استشهاد زوجها الطبيب حمدي النجار متأثرًا بجراحه إثر قصف استهدف منزل العائلة جنوب مدينة خان يونس. هذا الاستشهاد جاء بعد أيام فقط من فقدانها لأطفالها التسعة، الذين ارتقوا شهداء تحت أنقاض المنزل ذاته.
الطبيبة آلاء النجار، التي كانت تعمل بمستشفى ناصر، أصبحت رمزًا عالميًا للمعاناة الفلسطينية، لا سيما بعد أن تم تداول صورها وهي تتلقّى أشلاء أطفالها السبعة الذين كانوا بين الضحايا، إلى جانب اثنين آخرين من أفراد الأسرة. وقد نشرت مستشفى ناصر أسماء الشهداء الصغار الذين لم يتجاوز بعضهم الخامسة من العمر:
- يحيى حمدي النجار
- ركان حمدي النجار
- رسلان حمدي النجار
- جبران حمدي النجار
- إيف حمدي النجار
- ريفان حمدي النجار
- سيدين حمدي النجار
وإلى جانبهم، قُتل طفلان آخران من أبناء العائلة، لم تُذكر أسماؤهم في البيان.
أما الوالد الطبيب حمدي النجار، فقد نُقل إلى المستشفى بحالة حرجة قبل أن يُعلن عن استشهاده لاحقًا، ليلحق بأبنائه في رحلة الوداع الأبدي.

إبادة أسر كاملة.. جريمة ممنهجة وتواطؤ دولي
ما حدث مع عائلة النجار ليس حالة استثنائية في حرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل هو جزء من نهج ثابت قائم على تدمير البنى الاجتماعية والأسرية بالكامل. أكثر من 70% من ضحايا العدوان الإسرائيلي هم من النساء والأطفال، وفق إحصائيات وزارة الصحة، ما يؤكد أن الاستهداف ممنهج ويقصد المدنيين بوضوح تام، رغم الادعاءات الزائفة عن “ضربات دقيقة” و”أهداف عسكرية”.
تدمير منزل آل النجار جاء بصاروخ مباشر، أدى إلى انهياره الكامل واندلاع حريق هائل، لم تترك نيرانه فرصة للنجاة أو حتى التعرف بسهولة على الضحايا، إذ أشارت فرق الإنقاذ أن الجثث كانت متفحمة بشكل يصعب معه التعرف على الملامح. هذه الوحشية تضاف إلى سجلٍ طويل من الجرائم التي ترتكبها إسرائيل يوميًا في غزة، في ظل صمت دولي مريب وتواطؤ عربي مخجل.
فالأنظمة العربية، التي طالما تغنّت بالقضية الفلسطينية، لم تتجاوز بيانات الشجب أو التعبير عن “القلق”، بينما تمد بعضها خيوط التطبيع مع دولة الاحتلال، على حساب الدم الفلسطيني، وتغلق المعابر أو تضيق على النازحين، بدل أن تفتح أبوابها وتعلن التعبئة لنصرة المظلومين.
أم وحيدة.. غزة تُدفن على قيد الحياة
سؤال وحيد بقي يتردد على ألسنة كل من تابعوا مأساة الطبيبة آلاء النجار: من بقي لها؟
فبعد أن فقدت أبناءها التسعة، ثم زوجها، لم تعد الطبيبة الناشطة سوى شاهدٍ حيّ على الإبادة الجماعية التي تمارسها آلة القتل الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. هذه المرأة، التي اعتادت أن تضمد جراح الأطفال في غرفة الطوارئ، وجدت نفسها تُسلِّم على أكفّها جثامين أبنائها، ثم تُلقي نظرة الوداع على رفيق حياتها الذي قاوم الموت لأيام، قبل أن يلتحق بركب الشهداء.
وفي منشورات قصيرة عبر مواقع التواصل، نقلها زملاءها من المستشفى، لم تقل آلاء الكثير، سوى عبارة واحدة مؤلمة: “أنا وحيدة.. من بقي لي؟”.
مشهد آلاء يتكرر بأشكال مختلفة في غزة كل يوم أمّ تُدفن وهي تحتضن أطفالها وأبٌ يُخرج جثة طفله بيده من بين الركام وأطباء وممرضون يعملون تحت القصف، ثم يجدون أبناءهم على أسِرّة المستشفى وقد فارقوا الحياة.
هذه القصص لم تعد تُروى في تقارير إعلامية فقط، بل باتت جزءًا من ذاكرة جماعية فلسطينية تنهشها النكبة اليومية، وسط تواطؤ من المجتمع الدولي، ووقاحة من المؤسسات الحقوقية التي عجزت عن حماية المدنيين.
خاتمة: المجازر مستمرة.. ولكن الكرامة لا تموت
قصة الطبيبة آلاء النجار ليست فقط قصة أم ثكلى، بل هي مرآة لوجع شعبٍ بأكمله يُباد ببطء، فيما العالم مشغول بالصفقات والمصالح والتحالفات. لم تتوقف المجازر، ولم تعد الأرقام تصدم أحدًا، لكن بقيت الذاكرة، وبقيت صور الأطفال الشهداء تلعن من خذلهم.
في غزة، البيوت لم تعد فقط تُهدم، بل تُحرق بمن فيها، والمدارس تُحوّل إلى قبور، والمشافي إلى ساحات وداع. وكلّ يوم تنزف فيه غزة، يزداد حجم العار على عاتق كل من صمت أو طبّع أو برّر.
أما آلاء النجار، فلم تعد تملك سوى دموعها وبقايا صور عائلتها، وربما بصيص أمل بأن صمودها سيكون شاهداً على الجريمة، ومقدمةً للعدالة مهما تأخرت.
اقرأ أيضًا : “مساعدات بالرصاص”.. كيف تحوّلت خطة أمريكا وإسرائيل الإغاثية في غزة إلى فخّ دموي؟