في كلمة مثيرة للجدل ألقاها عبر رابط فيديو خلال قمة الأمم المتحدة حول حل الدولتين، التي شهدت اعتراف فرنسا رسميًا بدولة فلسطين، دعا رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس حركة حماس والفصائل الأخرى إلى “تسليم أسلحتها” للسلطة الفلسطينية، مؤكداً أنه يريد “دولة موحدة بلا سلاح، بدستور مؤقت، وقوات أمن شرعية واحدة”. هذا التصريح أعاد إلى الأذهان سياسة الانبطاح التي اتسم بها نهج عباس منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993، حيث كان الرهان على السلام مقابل التخلي عن المقاومة، لكن النتيجة كانت المزيد من الاستيطان، والقتل، والانقسام الفلسطيني.

الدعوة إلى “دولة بلا سلاح”: تفكيك للمقاومة أم تمهيد للتصفية؟
تصريحات عباس لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل جاءت في لحظة تاريخية حساسة، حيث يواجه الشعب الفلسطيني حرب إبادة في غزة، ويستشهد الآلاف يوميًا تحت القصف والحصار. بدلًا من أن يرفع عباس شعار المقاومة والوحدة، يكرر دعوة خطيرة لتجريد الفصائل من السلاح، وهو ما يتناغم بشكل مباشر مع المطالب الإسرائيلية والأمريكية. فالمقاومة بالنسبة للفلسطينيين لم تكن خيارًا عبثيًا، بل كانت السبيل الوحيد لحماية الأرض والشعب من الاستيطان والتهجير. الدعوة لدولة بلا سلاح، وفي ظل تاريخ طويل من الغدر الإسرائيلي، تعني ببساطة فتح الباب أمام الاحتلال ليعيد إنتاج السيطرة على كل شبر من فلسطين.
إرث أوسلو: وعود بالسلام مقابل تمدد الاستيطان
ما يقوله عباس اليوم ليس جديدًا، بل استمرار لنفس الوهم الذي بدأ منذ اتفاقية أوسلو. حينها، وعدت إسرائيل بوقف الاستيطان، وبإقامة دولة فلسطينية خلال خمس سنوات. لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، تضاعف الاستيطان ثلاث مرات، وجرى تحويل السلطة الفلسطينية إلى جهاز إداري وأمني يخدم أمن الاحتلال أكثر مما يخدم تطلعات الشعب. شهدت السنوات الماضية اغتيالات لرموز المقاومة، حصار غزة، اقتحامات يومية للضفة، واستباحة المسجد الأقصى، بينما كانت السلطة تواصل “التنسيق الأمني” الذي وصفه عباس نفسه بأنه “مقدس”.
الغدر الإسرائيلي: من وعود السلام إلى المجازر اليومية
منذ أوسلو وحتى اليوم، سطر الاحتلال سجلًا طويلاً من الغدر والجرائم. لم يحترم اتفاقًا، ولم يوقف الاستيطان، بل أطلق يد المستوطنين في سرقة الأراضي والاعتداء على الفلسطينيين. في غزة، قُتل عشرات الآلاف منذ 2008 وحتى الحرب الإبادية الحالية التي بدأت في 2023، بينما واصلت إسرائيل سياسة القتل البطيء للأسرى في سجونها. في الضفة، توسعت الحواجز والمستوطنات، وتحولت حياة الفلسطينيين إلى سجن كبير. ومع ذلك، يخرج عباس ليطالب بنزع سلاح المقاومة، متجاهلاً أن ما يملكه الفلسطينيون من سلاح محدود هو درعهم الوحيد في وجه الاحتلال المدجج بأحدث الأسلحة الأمريكية.
الدولة المؤقتة والدستور المجهول: إعادة إنتاج للفشل
في كلمته، أعلن عباس أنه سيعمل على صياغة “دستور مؤقت خلال ثلاثة أشهر” تمهيدًا للانتقال من السلطة إلى الدولة، كما وعد بانتخابات رئاسية وتشريعية بعد الحرب. غير أن الواقع يكشف أن هذه الوعود ليست سوى محاولة لشراء الوقت وإعادة تدوير سلطة فقدت شرعيتها الشعبية منذ سنوات. فكيف يمكن لدولة تحت الاحتلال، محاصرة من كل الجهات، أن تُبنى بلا مقاومة وبلا سلاح؟ وكيف يمكن لشعب يعيش تحت المجازر اليومية أن يثق في دستور مؤقت يرسمه من وصفوه طويلاً بالخائن والمتواطئ مع الاحتلال؟
الاعتراف الدولي: إنجاز ناقص بلا مقاومة
عباس لم ينس في كلمته أن يشيد بالاعتراف الفرنسي، ودعا الدول الأخرى للحاق بركب الاعتراف بدولة فلسطين. غير أن الاعترافات الدولية، على أهميتها الرمزية، تبقى فارغة من المضمون إذا لم تترافق مع قوة فلسطينية قادرة على فرض وجودها على الأرض. تجارب التاريخ علمت الفلسطينيين أن الاحتلال لا يزول بمجرد بيانات دبلوماسية، بل يحتاج إلى مقاومة حقيقية تفرض معادلات جديدة. إن دعوة عباس للتخلي عن السلاح تُفرغ حتى هذه الاعترافات من مضمونها، وتجعلها مجرد غطاء لإعادة إنتاج “سلام مزيف” يخدم الاحتلال.
الخاتمة: بين نهج الاستسلام وخيار المقاومة
كلمة محمود عباس في الأمم المتحدة كانت بمثابة إعلان صريح لتصفية خيار المقاومة، وتكريس سلطة بلا شرعية، تعتمد على الدعم الدولي أكثر مما تعتمد على الشعب الفلسطيني. لكن دروس العقود الماضية أثبتت أن الاحتلال لا يُهزم إلا بالمقاومة، وأن أي مشروع “دولة بلا سلاح” هو مجرد فخ جديد، يعيد إنتاج أوسلو بنسخة أكثر انبطاحًا. الشعب الفلسطيني، الذي قدّم عشرات الآلاف من الشهداء، لن يقبل أن تُختزل تضحياته في دستور مؤقت وانتخابات تحت حراب الاحتلال. المقاومة ستبقى هي الكلمة الفاصلة، مهما حاول عباس أو غيره جرّ الفلسطينيين إلى طريق الاستسلام.
اقرأ أيضًا : أمن المقاومة ينفذ حكم الإعدام بحق 3 مدانين بالعمالة للاحتلال في غزة