في بيان مثير للجدل، دعت اللجنة المركزية لحركة “فتح” حركة المقاومة الإسلامية “حماس” إلى “التوقف عن اللعب بمصير الشعب الفلسطيني وفقًا لأجنداتها الخارجية”، محملة الحركة مسؤولية ما وصفته بـ”تعطيل المسار الوطني الفلسطيني” ومطالبة إياها بالانصياع لما اعتبرته “جهود الرئيس محمود عباس”، والالتزام بالسياسات التي تنتهجها منظمة التحرير الفلسطينية. 

هذه التصريحات، التي تأتي في وقت تشتد فيه الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة وتتفاقم الأزمة الوطنية، تعكس بحسب محللين انحرافًا في الأولويات السياسية للسلطة الفلسطينية، وتكشف محاولة خطيرة لتحميل المقاومة وزر الأزمة بدلًا من مواجهة الاحتلال نفسه.

أزمة الشرعية: سلطة تعيش في عزلة شعبية وتتبنى خطابًا أمنيًا

تصريحات اللجنة المركزية لحركة “فتح” لا يمكن فصلها عن المسار الذي تتخذه السلطة الفلسطينية منذ سنوات، والمتمثل في التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وملاحقة المقاومين في الضفة الغربية، وشيطنة كافة أشكال المقاومة المسلحة، تحت ذرائع “المصلحة الوطنية” و”الشرعية الدولية”.

في الوقت الذي يُذبح فيه الفلسطينيون يوميًا في قطاع غزة وتُهدم منازلهم في الضفة الغربية، تختار السلطة الفلسطينية أن تصوّب سهامها نحو “حماس”، بدلًا من تحميل الاحتلال مسؤولية ما يجري.

وبينما يظهر الرئيس محمود عباس غائبًا عن المشهد الميداني والسياسي في أخطر لحظة تمر بها القضية الفلسطينية منذ نكبة 1948، يصر فريقه السياسي على تصدير خطاب يحمّل المقاومة مسؤولية التدهور، وهو ما فسره مراقبون بأنه محاولة لتبرير حالة العجز والشلل الكامل الذي تعانيه السلطة، وخوفها من فقدان ما تبقى لها من نفوذ في ظل تصاعد دور الفصائل المقاومة في غزة والضفة.

الاصطفاف مع الاحتلال

ما يزيد من خطورة موقف السلطة الفلسطينية أنها لا تكتفي بعدم دعم المقاومة، بل تعمل بوضوح على محاصرتها سياسيًا وأمنيًا، خاصة في الضفة الغربية المحتلة. 

وفي الوقت الذي تنشغل فيه كتائب المقاومة في غزة بمواجهة آلة القتل الإسرائيلية، تواصل أجهزة أمن السلطة ملاحقة النشطاء في جنين ونابلس وطولكرم، وتعتقل كل من يرفع صوته دعمًا للمقاومة أو ينتقد أداء السلطة.

وقد كشفت تقارير عديدة عن تواطؤ أجهزة السلطة في تسليم معلومات حول نشطاء مطلوبين لقوات الاحتلال، وعرقلة عمليات فدائية قبل وقوعها، في تنسيق وصفه بعض المحللين بأنه أقرب إلى “الخيانة الوظيفية”، باعتبار أن السلطة باتت تؤدي دورًا أمنيًا لصالح الاحتلال مقابل الحفاظ على وجودها ومصالح نخبها الحاكمة.

وفي ظل هذه الممارسات، تأتي تصريحات اللجنة المركزية لحركة “فتح” بمثابة غطاء سياسي لهذه الوظيفة الأمنية، وتكريس لمعادلة خطيرة مفادها أن الأولوية ليست لمواجهة الاحتلال، بل لضبط الشارع الفلسطيني وتفكيك جبهته الداخلية، حتى وإن جاء ذلك على حساب الدم الفلسطيني النازف.

بين مشروع التحرير ومشروع البقاء في الحكم

بينما تطرح المقاومة في غزة – وعلى رأسها حركة حماس – مشروعًا للتحرير والمواجهة مع الاحتلال، ولو في ظل ظروف إنسانية وسياسية شديدة التعقيد، تصر السلطة الفلسطينية على التمسك بمشروع “الدولة تحت الاحتلال”، الذي أثبت فشله على مدار أكثر من عقدين من الزمن. 

فبعد أكثر من 30 عامًا على تأسيس السلطة، لم تُفضِ مفاوضات أوسلو إلى دولة فلسطينية، بل إلى المزيد من الاستيطان، والتهجير، والانقسام، وتكريس الاحتلال.

وهنا تتبدى المفارقة: بينما يُسفك الدم الفلسطيني في غزة يوميًا، وتُجرف الأراضي في الضفة، وتُدنس المقدسات، تتمسك “فتح” بمواقفها المتصلبة ضد المقاومة، وتتهمها بـ”تنفيذ أجندات خارجية”، في الوقت الذي تنفذ فيه هي أجندة التنسيق الأمني والشرعية الزائفة، التي باتت تتقاطع مع مصلحة الاحتلال أكثر مما تتقاطع مع تطلعات الشعب الفلسطيني.

المقاومة باقية.. والسلطة على هامش التاريخ

في ظل التحديات الكبرى التي تواجه الشعب الفلسطيني، من تهجير جماعي في غزة إلى القمع في الضفة، يبدو أن من يلتزم فعليًا بالمصلحة الوطنية هو من يحمل السلاح في وجه الاحتلال، ويدافع عن شعبه وأرضه، لا من يختبئ خلف خطاب مهترئ ومصالح فئوية ضيقة.

إن حديث اللجنة المركزية لحركة “فتح” عن “أجندات خارجية” و”الشرعية الفلسطينية” لا يمكن أن يُقنع شعبًا يرى بأم عينه من يقاتل ومن يصمت، من يُستشهد ومن يوقع على التنسيق الأمني. ووسط هذا المشهد، تبقى الحقيقة الأهم: أن المقاومة، بكل فصائلها، باتت تمثل نبض الشارع الفلسطيني، بينما تواصل السلطة الفلسطينية السير في طريق التهميش والتآكل، إلى أن تُطوى صفحتها كغيرها من التجارب الفاشلة في تاريخ الشعوب.

اقرأ أيضًا : إرهاب غير محدود.. مستوطنون يعتدون على نواب بريطانيين بالضفة الغربية