أدى محافظ عدن الجديد عبد الرحمن شيخ اليافعي اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في العاصمة السعودية الرياض، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز بعدها الإجرائي، وتأتي في لحظة مفصلية تشهد فيها المحافظات الجنوبية إعادة رسم موازين النفوذ بعد سنوات من سيطرة الميليشيات الانفصالية المدعومة إماراتيًا على القرار المحلي في عدن ومحيطها.

وبحسب وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، فإن اليافعي أدى القسم إثر تعيينه “وزير دولة محافظًا لمحافظة عدن”، بحضور رئيس الوزراء سالم صالح بن بريك. وعقب مراسم القسم، عقد العليمي اجتماعًا مع المحافظ الجديد، خُصص لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها تثبيت الأمن والاستقرار، وتوحيد القرار الأمني، واحتكار السلاح بيد الدولة، وهي عناوين طالما وُضعت على الورق، لكنها اصطدمت خلال السنوات الماضية بواقع الميليشيات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة.

توحيد السلاح… عنوان الصدام المؤجل

تشديد العليمي على احتكار السلاح بيد الدولة وتعزيز دور اللجنة الأمنية في عدن ليس مجرد توجيه إداري، بل رسالة سياسية مباشرة تفهمها جيدًا القوى التي حكمت عدن بقوة الأمر الواقع. فالعاصمة المؤقتة عاشت سنوات من الانفلات الأمني، واغتيالات سياسية، وسجون سرية، وانتهاكات موثقة، ارتبط معظمها بسيطرة تشكيلات مسلحة تتبع ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي نشأ عام 2017 بدعم مباشر من الإمارات، ورفع منذ تأسيسه شعار “استعادة دولة الجنوب” كغطاء سياسي لمشروع تفكيك الدولة اليمنية.

في هذا السياق، يبدو أن تعيين اليافعي، وهو أحد قيادات الانتقالي سابقًا، يحمل بعدًا مزدوجًا: من جهة محاولة احتواء بعض كوادر الجنوب داخل مؤسسات الدولة، ومن جهة أخرى تفريغ الخطاب الانفصالي من رموزه عبر إدماجهم في الشرعية، بعد أن تراجعت قدرة الميليشيا على فرض أجندتها بالقوة.

حل الانتقالي… مناورة أم نهاية مرحلة؟

اللافت أن أداء اليمين الدستورية تزامن مع إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي، الجمعة الماضية، حل نفسه وكافة هيئاته، وفق بيان رسمي بثته القناة الحكومية. ورغم محاولة الانتقالي تصوير الخطوة كتمهيد للمشاركة في “مؤتمر الحوار الجنوبي” المزمع عقده في السعودية، إلا أن السياق الميداني والسياسي يشير إلى أنها جاءت نتيجة هزيمة عسكرية وسياسية متراكمة.

فمنذ أوائل ديسمبر/كانون الأول الماضي، شهدت محافظات حضرموت والمهرة وأبين وشبوة مواجهات عسكرية انتهت باستعادة القوات الحكومية، وعلى رأسها قوات “درع الوطن”، السيطرة على تلك المناطق، وسط ترحيب رسمي ومحلي واسع. هذا التقدم أنهى عمليًا نفوذ الميليشيا الانفصالية في الشرق والجنوب، وفتح الباب أمام استعادة مؤسسات الدولة لدورها، بعد سنوات من الإقصاء القسري.

الإمارات… راعي الانفصال وخاسر اللحظة

لا يمكن قراءة ما يجري في عدن بمعزل عن الدور الإماراتي، الذي شكل العمود الفقري للمشروع الانفصالي. فقد موّلت أبوظبي تشكيل وتسليح الميليشيات، وأدارت عبرها موانئ وجزرًا استراتيجية، من عدن إلى سقطرى، في إطار مشروع نفوذ يتناقض كليًا مع وحدة اليمن وسيادته.

اليوم، ومع انكفاء تلك الميليشيات، تتبدد رهانات الإمارات على كيان انفصالي تابع لها في الجنوب. ويبدو أن التحولات الأخيرة تعكس قرارًا إقليميًا ودوليًا بإنهاء مرحلة الوكلاء المسلحين، وإعادة الاعتبار للدولة اليمنية، ولو تدريجيًا، كعنوان وحيد للأمن والاستقرار.

عدن بين الوعود والاختبار الحقيقي

العليمي وجه المحافظ الجديد بالتركيز على تحسين الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء، وإعادة الثقة بعدن كمركز اقتصادي وميناء عالمي. غير أن هذه الوعود تصطدم بتحديات حقيقية، أبرزها تفكيك البنية المسلحة للميليشيا الانفصالية، واستعادة الإيرادات، وإنهاء اقتصاد الجبايات والسلاح.

يبقى السؤال المركزي: هل ينجح محافظ عدن الجديد في التحول من موقعه السابق داخل مشروع انفصالي إلى دور فعلي في إعادة بناء الدولة؟ أم أن التعيين سيبقى خطوة تكتيكية ما لم يُستكمل بقرارات جذرية تنهي نفوذ الميليشيات وتُحاسب داعميها؟

ما هو مؤكد أن عدن تدخل مرحلة جديدة، عنوانها صراع الدولة مع إرث الانفصال، وأن القسم الدستوري ليس سوى بداية اختبار صعب، ستحدده قدرة السلطة الشرعية على فرض سيادتها كاملة، دون مواربة أو تسويات تعيد إنتاج الأزمة.

اقرأ أيضًا : قريبًا جدًا؟ البرهان يرفع سقف الحرب ويتوعد «الدعم السريع» بالنصر