في سابقة لافتة تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية بالغة، أعلن 41 جنديًا وضابطًا من وحدات النخبة في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك الاستخبارات والحرب الإلكترونية، رفضهم مواصلة الخدمة العسكرية في قطاع غزة، معتبرين أن استمرار الحرب يخدم أجندات سياسية ضيقة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وليس الأهداف الأمنية أو حماية الإسرائيليين كما يُروَّج رسميًا.

رسالة علنية ضد “حرب نتنياهو السياسية”
الضباط والجنود نشروا رسالتهم تحت عنوان “جنود من أجل المختطفين”، وأرسلوها إلى كل من رئيس الوزراء نتنياهو، ووزير الحرب يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان إيال زامير، بالإضافة إلى وزراء آخرين في الحكومة. الرسالة وصفت استئناف الحرب على غزة بأنه “خطوة سياسية لا عسكرية”، متهمين القيادة السياسية باستخدام المعركة كأداة لإبقاء الائتلاف الحاكم في السلطة، ولو على حساب أمن الإسرائيليين.
الموقعون أكدوا صراحة: “لن نكون جزءًا من حرب البقاء السياسي لنتنياهو”، وأوضحوا أن بعضهم سيتحدث علنًا، فيما سيتبع آخرون نهج “الرفض الرمادي”، في إشارة إلى مقاطعة الخدمة بطريقة غير مباشرة.
اتهامات بالتخلي عن الأسرى
من أبرز النقاط التي أثارها الرافضون للخدمة، شعورهم بأن القيادة الإسرائيلية قد تخلت عن الجنود والمدنيين الأسرى لدى المقاومة في غزة. ويعتبر الموقعون أن استمرار القتال يُهدد حياة هؤلاء الأسرى أكثر مما يخدم تحريرهم. من هنا، فإن الرفض لا ينبع فقط من منطلقات سياسية، بل أيضًا من اعتبارات إنسانية واستراتيجية، تعكس خيبة أمل عميقة داخل المؤسسة العسكرية من أداء الحكومة.
المقاومة تُربك العمق الإسرائيلي
هذه الخطوة تأتي في سياق متصاعد من تراجع المعنويات والانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، نتيجة طول أمد الحرب في غزة، وتزايد الخسائر البشرية، وتآكل الثقة بالقيادة السياسية.
وقد نجحت المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب القسام، في زعزعة ثقة الاحتلال بنفسه، من خلال قدرتها على الصمود، وتوجيه ضربات مركزة، والاحتفاظ بالأسرى رغم الحملات العسكرية العنيفة.
الثبات الذي أبدته المقاومة في ظل الحصار والهجمات العنيفة، خلق واقعًا مغايرًا لتقديرات القيادة الإسرائيلية التي كانت تتوقع حسمًا سريعًا، بل أسهم في تعميق أزمة الشرعية التي يواجهها نتنياهو في الداخل، لا سيما مع تصاعد الاحتجاجات ضده، واتهامه بإطالة أمد الحرب للهروب من المحاكمة والفساد.
“التمرد الرمادي”: انعكاس لأزمة عميقة
اللافت في هذا الحدث هو الخلفية العسكرية للموقعين، إذ لا يدور الحديث عن جنود احتياط عاديين فقط، بل عن ضباط في وحدات تُعتبر من أعمدة المنظومة الأمنية، مثل الاستخبارات والوحدات السيبرانية. هذا النوع من التمرد – ولو في شكله الرمزي أو الرمادي – يسلّط الضوء على أزمة ثقة غير مسبوقة بين الجيش والقيادة السياسية.
ففي إسرائيل، طالما تم تسويق المؤسسة العسكرية على أنها مؤسسة “غير مسيّسة”، لكن هذا الحدّ بدأ يختفي تدريجيًا مع تزايد تدخل الحكومة اليمينية في قرارات الجيش، ما دفع بعض القيادات إلى الخروج عن صمتها، ورفض ما تعتبره “استغلالًا سياسيًا للجنود”.
التداعيات المحتملة
رغم أن عدد الموقعين لا يُعتبر كبيرًا بالمعايير العسكرية، إلا أن الأهمية لا تكمن في العدد بل في الرمزية والتوقيت.
فتزامن هذا التمرد مع تدهور الوضع في غزة، وتعثر مفاوضات التبادل، وتنامي الحراك الشعبي ضد الحكومة، يعزز مؤشرات تفكك داخلي قد يتسع ليشمل فئات أخرى من المجتمع والمؤسسة العسكرية.
ويخشى قادة الاحتلال من أن يُلهم هذا الحراك أفرادًا وجماعات أخرى، سواء من داخل الجيش أو من عائلات الأسرى، ما قد يشكل كرة ثلج سياسية يصعب احتواؤها، خصوصًا إذا استمرت الحكومة في تعنتها ورفضها الانصياع لمطالب بوقف الحرب، أو الدخول في مفاوضات جدية لاستعادة الأسرى.
النهاية المفتوحة لحرب خاسرة
في نهاية المطاف، يكشف هذا التمرد المحدود في ظاهره، والعميق في دلالاته، أن إسرائيل لا تواجه مقاومة مسلحة في غزة فحسب، بل أزمة هوية وشرعية داخلية، تُقوّض استقرارها من الداخل.
والتمزق الحاصل في صفوف الجيش، إن استمر، سيكون أحد أبرز مؤشرات الانحدار الاستراتيجي الذي تعانيه دولة الاحتلال.
هذا المشهد يُعيد التأكيد على أن صمود غزة لم يكن فقط دفاعًا عن أرض، بل هو معركة وعي وكرامة، بدأت تتغلغل في مفاصل الخصم، وتُظهر أن الاحتلال، مهما امتلك من القوة، لا يستطيع فرض إرادته حين تفقد أدواته السياسية والعسكرية معناها.
اقرأ أيضًا : صمت وخيانة الحكام العرب: شاهد يقطع مؤتمر آبل للمطورين نصرةً لفلسطين وسط تواطؤ غربي وانحياز إعلامي