لم يكن يوم الجمعة في قطاع غزة سوى صفحة جديدة دامية في سجل المجازر الإسرائيلية المتواصلة بحق الفلسطينيين، حيث استهدف جيش الاحتلال ومسلحون أجانب يعملون ضمن ما تُسمى بـ”مؤسسة غزة الإنسانية” طوابير من المواطنين المجوّعين أثناء انتظارهم المساعدات الغذائية، ما أسفر عن عشرات الشهداء والجرحى، في جريمة لا يمكن فصلها عن سياسة ممنهجة تستهدف المدنيين العزّل تحت غطاء “الإدارة الأمنية للمساعدات”.
فقد أعلنت مصادر طبية فلسطينية عن استشهاد 38 مواطنا منذ فجر الجمعة، بينهم 16 من طالبي المساعدات. وتوزعت الاعتداءات على معظم مناطق القطاع، من مدينة غزة شمالاً إلى خان يونس جنوباً، في مشهد يعكس استمرار سياسة القتل المتعمد التي تنتهجها سلطات الاحتلال.
في منطقة السودانية شمال غربي مدينة غزة، استُشهد أربعة مواطنين وأصيب 20 آخرون إثر إطلاق النار عليهم أثناء وقوفهم في طابور مساعدات. وفي مدينة غزة نفسها، استهدفت غارة إسرائيلية مدرسة تؤوي نازحين في حي الرمال أثناء صلاة الجمعة، ما أدى لاستشهاد خمسة أشخاص، بينهم أطفال. كما قُتل آخرون في غارات متفرقة على أحياء التفاح والزيتون، حيث تكررت مشاهد الموت اليومي، فيما تواصل قوات الاحتلال تدمير المنازل ونسف الأحياء في شرقي المدينة.
ولا يقتصر المشهد على القصف فقط، بل بات إطلاق النار المباشر على المدنيين وسيلة ثابتة في تعامل الاحتلال مع المحتاجين. ففي خان يونس، أطلقت مروحيات الاحتلال النار على الجوعى وطالبي المساعدات، بينما عملت طواقم الدفاع المدني في ظل ظروف شبه مستحيلة على إنقاذ جرحى، في وقت وُصف فيه الوضع الإنساني بالكارثي.
والمأساة تتفاقم منذ مايو/أيار، مع تسليم إدارة المساعدات إلى “مؤسسة غزة الإنسانية” التي تخضع لتنسيق إسرائيلي أميركي مباشر. ومنذ ذلك الحين، استشهد أكثر من ألف فلسطيني على أيدي قوات الاحتلال ومسلحين أجانب أثناء بحثهم عن الغذاء والماء، في ما يبدو وكأنه سياسة ممنهجة لتجويع القطاع وتصفية سكانه عبر المجاعة والرصاص.

الاحتلال يتخبط والمقاومة تشتد
ورغم آلة القتل المتواصلة، إلا أن المعركة على الأرض في قطاع غزة، وخصوصًا في خان يونس، باتت تشهد تحولات ميدانية تشير إلى تزايد الضغط على قوات الاحتلال وتكثيف عمليات المقاومة الفلسطينية، في صورة تُبرز هشاشة المشروع العسكري الإسرائيلي، مهما بدا متوحشًا في استهداف المدنيين.
فقد نقل موقع “حدشوت يسرائيل” عن مصادر عسكرية وصفها للمعارك الجارية في خان يونس بأنها “قتال صعب جدا”، في إشارة إلى اشتباكات شديدة العنف خاصة في منطقة عبسان الكبيرة شرقي المدينة. وتعكس هذه الاعترافات مستوى الخسائر التي تتكبدها قوات الاحتلال والتي تُحاول التغطية عليها بتوسيع دائرة المجازر ضد المدنيين.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد لافت في عمليات المقاومة، حيث أعلنت كتائب القسام استهداف ناقلة جند إسرائيلية بقذيفة “الياسين 105” في السطر الغربي شمال خان يونس، كما قصفت موقع قيادة وسيطرة لقوات الاحتلال في محيط مجمع المحاكم جنوب المدينة بعدة قذائف هاون.
في المقابل، واصلت سرايا القدس استنزاف الاحتلال عبر تفجير ألغام في آليات متوغلة بمنطقة دير البلح، بالتزامن مع إعلان ألوية الناصر صلاح الدين قصف تجمع لجنود وآليات الاحتلال شرق مخيم جباليا. وتشير هذه العمليات إلى استراتيجية استنزاف شاملة تعتمدها فصائل المقاومة، خاصة في ظل توغل الاحتلال لفترات قصيرة ثم انسحابه، وهو ما يكشف عن عجزه في فرض سيطرة ميدانية مستدامة.
إصرار على المجازر.. وصمود في وجه الموت
وسط هذه الأحداث، لا يمكن فصل السياسة الإسرائيلية في إدارة الحرب عن المسار الأميركي المساند. فالهجوم على طوابير المساعدات، ومنع الإغاثة، وقتل المدنيين العُزّل، كلها تصب في خانة سياسة عقابية جماعية لا تستهدف فقط حماس أو الفصائل، بل كل سكان غزة.
لكنّ هذه الجرائم، وإن أوجعت الفلسطينيين، لم تكسر إرادتهم، بل زادت من صلابة موقف المقاومة ومن تلاحم الناس مع مقاتليهم. ورغم الحصار والتجويع والمجازر، يتعامل الفلسطيني مع الموت اليومي كمحطة للمقاومة وليس للاستسلام، في مواجهة عدو فقد كل قيمة إنسانية أو عسكرية.
وأكد أجيت سونغاي، مدير مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، أن ما يحدث في غزة هو “قتل متعمد” بحق المدنيين، مشددا على أن هذا السلوك يُصنف كجريمة حرب، خاصة في ظل استهداف طالبي المساعدات ممن لا يملكون أي شيء.
وختامًا، فإن يوم الجمعة هذا ليس سوى فصل من فصول الإبادة الجماعية المتواصلة بحق سكان غزة، لكنه في الوقت ذاته يُسجل فشل الاحتلال في تركيع المقاومة، ويكشف عن منظومة دولية مشلولة، وشعب أعزل يقاتل بمعدته الخاوية وصدره العاري من أجل الكرامة والبقاء.
اقرأ أيضًا : رد حماس على ويتكوف يُبرز التباين الأمريكي – الإقليمي.. والوسطاء يؤكدون: الزخم ما زال قائمًا