في مسار تفاوضي اتسم بالتوترات الأمنية والضغوط السياسية والتجاذبات العسكرية، كشفت مصادر سياسية وأمنية إيرانية عن تفاصيل الساعات الأكثر حساسية التي سبقت التوصل إلى الاتفاق الإيراني الأمريكي المنتظر توقيعه رسمياً في جنيف يوم 19 يونيو/حزيران 2026، مؤكدة أن المفاوضات مرت بمحطات كادت تدفع المنطقة مجدداً نحو مواجهة واسعة بعدما اصطدمت الخلافات بملفات البرنامج النووي والعقوبات الأمريكية ولبنان ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز. ووفقاً للمصادر، فإن مذكرة التفاهم لم تكن ثمرة تفاهم سهل أو سريع، بل جاءت بعد أسابيع من الشد والجذب والرسائل المتبادلة والضغوط الداخلية التي مورست على صناع القرار في طهران وواشنطن، وسط محاولات متواصلة من الوسطاء الإقليميين للحيلولة دون انهيار المسار التفاوضي والعودة إلى أجواء الحرب.

أسابيع من المفاوضات والأزمات المتلاحقة

وبحسب المصادر الإيرانية، فإن المفاوضات شهدت تعديلات متكررة على بنود مذكرة التفاهم حتى الساعات الأخيرة التي سبقت التوقيع الإلكتروني عليها فجر 15 يونيو/حزيران، بعدما تمسك كل طرف بشروطه في عدد من الملفات الحساسة.

وأوضحت المصادر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ركز بصورة خاصة على ملف مخزونات اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، مطالباً بالحصول على ضمانات تتعلق بمستقبل هذه المواد، في حين تمسكت طهران بموقفها الرافض لأي نقل لمخزوناتها النووية إلى الخارج، معتبرة أن الملف النووي يجب أن يُناقش ضمن مفاوضات منفصلة لاحقاً.

وبعد أسابيع من النقاشات المكثفة، جرى التوصل إلى صيغة وسط تقضي بتخفيف نسبة تخصيب المخزونات الإيرانية مع بقائها داخل الأراضي الإيرانية، مقابل تعهد أمريكي بتخفيف تدريجي للعقوبات وربط الخطوات المتبادلة بمستوى التقدم في المفاوضات النووية التي يفترض أن تبدأ عقب التوقيع الرسمي على الاتفاق.

تبادل الضربات وضع الاتفاق على حافة الانهيار

وشهدت الأسابيع الأخيرة من التفاوض تصعيداً ميدانياً كاد ينسف التفاهم بالكامل، بعدما تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل على خلفية استهداف مواقع مرتبطة بحزب الله في لبنان، وهو ما دفع طهران إلى الرد عسكرياً للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار المعلن في أبريل/نيسان الماضي.

ووفقاً للمصادر، اعتبرت دوائر عسكرية إيرانية أن الضربات الإسرائيلية تمت بضوء أخضر أمريكي، ما عزز الأصوات المطالبة بوقف التفاوض والاستعداد لمواجهة جديدة. وزادت حدة الأزمة بعد إسقاط إيران مروحية أمريكية من طراز أباتشي وما أعقبه من ضربات أمريكية استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران.

وأكدت المصادر أن المؤسسة العسكرية الإيرانية رأت في تلك التطورات مؤشرات على احتمال العودة إلى الحرب، بينما كثف الوسطاء الإقليميون وقادة دول الخليج اتصالاتهم مع واشنطن وطهران لمنع انهيار المفاوضات وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاهم.

ليلة الضاحية الجنوبية.. أخطر ساعات التفاوض

وتصف المصادر الأمنية الإيرانية ليلة 14 يونيو/حزيران بأنها اللحظة الأخطر خلال كامل مسار المفاوضات، بعدما استهدفت إسرائيل مواقع تابعة لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، بالتزامن مع المراحل النهائية لصياغة مذكرة التفاهم.

وأشارت المصادر إلى أن قيادات في الحرس الثوري طالبت حينها بوقف المحادثات فوراً وإعداد رد عسكري مباشر ضد إسرائيل، كما صدرت أوامر أولية برفع الجاهزية العسكرية وتجهيز الصواريخ تحسباً لأي تصعيد محتمل.

غير أن تدخلات عاجلة قادها رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والرئيس مسعود بزشكيان، إلى جانب اجتماعات مكثفة داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ساهمت في احتواء الأزمة وإقناع القيادات العسكرية بعدم منح إسرائيل فرصة إفشال التفاهم الجاري مع واشنطن.

وبحسب المصادر، لعب ترامب أيضاً دوراً مباشراً في منع انهيار المحادثات خلال تلك الساعات الحرجة، قبل أن يوافق الحرس الثوري في نهاية المطاف على عدم تنفيذ رد عسكري، ما مهد الطريق أمام إتمام التوقيع الإلكتروني على الاتفاق بعد ساعات قليلة.

لبنان وهرمز والعقوبات.. تنازلات متبادلة في اللحظات الأخيرة

وكشفت المصادر أن أحداث الضاحية الجنوبية دفعت طهران إلى المطالبة بتعديلات إضافية على نصوص مذكرة التفاهم، خصوصاً فيما يتعلق بلبنان، حيث وافقت واشنطن على إدراج بند يؤكد ضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، وهو ما تعتبره طهران التزاماً غير مباشر بإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق المحتلة جنوب لبنان.

كما نجحت إيران في انتزاع موافقة أمريكية على رفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية فور التوقيع الرسمي على الاتفاق، بعدما كانت الصيغة الأصلية تنص على رفع تدريجي للعقوبات خلال فترة الستين يوماً التالية.

وفي المقابل، وافقت طهران على إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية بصورة فورية ومن دون فرض رسوم عبور خلال المرحلة الانتقالية، على أن تُبحث الترتيبات النهائية للمضيق خلال جولات التفاوض اللاحقة.

اتفاق تحت الاختبار

ورغم التوصل إلى مذكرة التفاهم، تؤكد المصادر الإيرانية أن القيادة في طهران لا تزال تنظر إلى الاتفاق باعتباره اختباراً أولياً لإمكانية بناء تفاهمات أوسع مع الولايات المتحدة، في ظل استمرار حالة الشك المتبادل بين الطرفين.

وترى المؤسسة الحاكمة في إيران أن نجاح الاتفاق سيعتمد على مدى التزام واشنطن بتنفيذ تعهداتها المتعلقة بالعقوبات والملف النووي ووقف التصعيد الإقليمي، في حين تؤكد أن أي خطوة إيرانية مستقبلية ستكون مرتبطة مباشرة بتنفيذ الجانب الأمريكي لالتزاماته، وفق مبدأ “خطوة مقابل خطوة” الذي شكل الأساس الذي قامت عليه المفاوضات منذ بدايتها وحتى الوصول إلى جنيف.